المبحث الثاني
القيود المفروضة على الإرادة التعاقدية في إبرام العقد.
إذا كان الأصل هو حرية التعاقد، إلا انه في المجال الواقعي قد اتسعت دائرة النصوص الآمرة، مما أدى إلى أن تنحصر تلك الحرية في حدود ضيقة [1] . إذ أن هذه النصوص الآمرة والتي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها تحمي النظام العام والآداب في المجتمع، ومن ثم فهي تخرج عن الدائرة التي تنطلق فيها حرية الإرادة.
فليس للإرادة أن تنشئ تصرفًا يخالف سببه أو محله النظام العام والآداب [2] ، فإذا تجاوز المتعاقدان هذه الحدود التي رسمها النظام العام والآداب يكونا قد عرضا عقدهما للبطلان، حسب أحكام المادة (130) فقرة (1) من القانون المدني العراقي، التي نصت على أنه"يلزم أن يكون محل الالتزام غير ممنوع قانونًا ولا مخالفًا للنظام العام والآداب، وإلا كان العقد باطلًا" [3] .
فإذًا هنالك عوامل مختلفة تؤدي إلى قيام الدولة (المشرع) بفرض قيود على الإرادة التعاقدية، وإن هذه القيود، إما ستمنع الأفراد من الدخول بالعملية التعاقدية كمثال ذلك، عندما تمنع الدول استيراد سلع معينة، فتحرم بذلك أي تصرف قانوني عليها. أو أن تتدخل الدولة في تحديد مضمون العقد قبل إبرام العقد، كمثال ذلك عندما تحدد الحكومة أسعارًا رسمية لبعض السلع، بحيث تحد من حرية الثمن في عقود البيع، وهو يحدث أيضًا في حالة الاستيلاء، حينما تستولي الدولة على كمية من القمح أو الأرز مقابل سعر محدد سلفًا.
بمعنى أن سياسة الدولة في توجيه الاقتصاد الوطني ستنعكس آثاره على العقود [4] ، فضلًا عن ذلك، سيتدخل المشرع في حالة الضرورة إلى مراعاة العدالة وتحقيق المساواة القانونية.
وأمام كل هذه الأمور قد لا تقتصر هذه القيود على منع التعاقد أو تحديد مضمونه، بل قد تصل إلى حد تدخل القانون لإنشاء علاقات قانونية لم تكن لتنشأ إلا بتوافق إرادتي طرفيها [5] ، فحرية الإنسان في ألا يتعاقد ليست بدورها مطلقة بل ترد عليها قيود [6] .
وتجدر الإشارة إلى أن العقود التي تبرم بناءًا على الالتزام القانوني"يسميها بعض الشراح بالعقود الإلزامية أو العقود الاضطرارية" [7] .
(1) د. شفيق شحاتة، النظرية العامة للالتزامات، ج 1، طرفا الالتزام، مصر، بدون سنة طبع، ص 127.
(2) د. عبد المنعم فرج الصدة، المصدر السابق، ص 15.
(3) وقد نص المشرعان المصري والفرنسي على نفس الحكم.
ينظر - نص المادة (135) من القانون المدني المصري والمادة (1133) من القانون المدني الفرنسي.
(4) شمس الدين الوكيل، دروس في الالتزامات، منشأة المعارف، الإسكندرية، يدون سنة طبع، ص 32.
(5) د. محمد لبيب شنب، دروس في نظرية الالتزام، دار النهضة العربية، القاهرة، 1976 م، ص 31.
(6) د. محمد وحيد الدين سوار، الاتجاهات العامة في القانون المدني، المكتبة القانونية، عمان، 2001 م، ص 16.
(7) شمس الدين الوكيل، المصدر السابق، ص 33.