الصفحة 27 من 42

المبحث الثالث

القيود المفروضة على الإرادة التعاقدية في تحديد مضمون العقد.

لم ينل أي مبدأ قانوني شهرة وشيوعًا أكثر مما ناله مبدأ (العقد شريعة المتعاقدين) فقد كانت له قدسية خاصة عند أنصار مبدأ سلطان الإرادة، ولا زال هذا المبدأ يحتل مكانًا مرموقًا في المؤلفات القانونية المدنية.

إلا أنه قد فقد هذا المبدأ بمفهومه التقليدي كثيرًا من أهميته، وذلك بسبب تدخل المشرع في الكثير من المجالات في تحديد مضمون العقد، مراعاةً منه للتوازن الذي كثيرًا ما تؤدي الظروف الاقتصادية إلى اختلاله، وبذلك نتفق مع جانب من الفقه [1] بأن"العقد شريعة المتعاقدين بشرط أن يكونا متكافئين متعادلين، أما إذا اختلفت قوة كل منهما في العقد، فمن الظلم القول بأنه شريعتهم".

وإزاء تحقيق الهدف المتوخى وهو العدل والتكافؤ بين المتعاقدين، أخذت النصوص الآمرة تحل مكان النصوص المفسرة والمكملة. حتى بدأ المشرع وكأنه يشترك مع الطرفين في تنظيم العقد بما يفرضه من التزامات على المتعاقدين.

ومع ذلك وحتى في الأحوال التي لا تكون الإرادة منشئة لكافة الآثار القانونية للعقد، فإن الحرية العقدية لا تختفي، لأنها ما زالت موجودة في اتجاه الإرادة إلى خلق حالة قانونية جديدة، وهي إبراز العقد إلى الوجود ومن ثم تدخل المشرع في تنظيم هذا العقد.

وتدخل المشرع قد يكون مباشرًا، عندما يصدر نصوصًا آمرة يحتم على المتعاقدين مراعاتها. وقد يكون تدخله غير مباشر، عندما يخول المشرع القاضي صلاحية التدخل في العقد بالتعديل، أو بإلغاء بعض الشروط والالتزامات أو إعادة التوازن الاقتصادي بين المتعاقدين. لذلك سيقسم هذا المبحث إلى المطلبين الآتيين:

المطلب الأول: تدخل المشرع المباشر في تحديد مضمون العقد.

المطلب الثاني: تدخل المشرع غير المباشر في تحديد مضمون العقد.

(1) د. محمد عبد الظاهر حسين، الجوانب القانونية لمرحلة السابقة، على التعاقد، بحث منشور في مجلة الحقوق، العدد الثاني، السنة الثانية والعشرون، الكويت، 1998 م، ص 727.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت