[فوائد لغوية وإعرابية]
قال ابن عادل:
قوله: {الذين يَشْرُونَ الحياة} فاعل،"فليقاتل"و"يشرون"يحتمل وَجهيْن:
أحدهما: أن يكون بمعْنَى: يَشْتَرُون.
فإن قيل: قد تقرّر أن البَاء إنما تَدْخُل على المَتْرُوك، والظَّاهرُ هنا أنها دخَلَتْ على المأخُوذ: فالجواب:
أن المراد بـ"الذين يشترون"المُنَافقون المبطِّئون عن الجِهَادِ أمروا بأنْ يُغَيِّروا ما بهم من النفاقِ، ويُخْلِصُوا الإيمان بالله ورسُولِهِ ويُجَاهِدُوا في سَبِيل الله، فلم نَدْخُل إلا على المَتْرُوك؛ لأن المُنَافِقِين تاركون للآخِرَةِ آخِذُون للدُّنْيا، وتقدير الكَلام: فِلْيُقَاتِل الذين يَخْتَارُون الحياة الدُّنْيَا، وعلى هذا التقدير فلا، بل حَذْفٌ تقديره: آمِنُوا ثم قَتِلُوا؛ لاستحالة حُصُول الأمْرِ بشَرَائِعِ الإسْلام قبل حُصُول الإسْلامِ.
الثاني: أن"يشرون"بمعنى: يَبِيعُون.
قال ابْنُ مُفَرِّعٍ: [مجزوء الكامل]
وَشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِي ... مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ
قالوا: وبَرْد هو غلامه، وشريتُه بمعنى: بِعْتُه، وتَمَنَّى الموت بعد [بَيْعِه] فيكُون المراد بالذين يَشْرُون: المؤمِنُون المُتَخَلِّفُون عن الجِهَادِ؛ المؤثِرُون الآجِلَة على العَاجِلَة، وتصير هذه الآية في كَوْنِ شَرَى تحتمل الاشْتِرَاء والبَيْعِ باعْتِبَارَيْن؛ قوله - تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20] على ما سَيَأتِي - إن شاء الله تعالى - وقد تقدم شيء من هذا أوَّل البقرة [الآية 16] والجمهور على سُكُون لام"فليقاتل"لأنها وَقَعَتْ بعد الفَاءِ [والواو] فأشبهَت اللفظة اكتفاءً، وقرئ بكسرها، وهو الأصل وأجاز إسْكانَها وكَسْرَهَا كهذه الآية، وقوله - تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق} [الحج: 29] وقد قرئ بهما. والجمهور على بناء"فيقتل"للمفعُول، ومحارب بن دثار ببنائه للفاعل.
والأوَّل أظهر؛ لقوله: {أَو يَغْلِبْ} ["ويقتل"] "ويغلب"عطف على شَرْط، والفَاءُ في"فسوف"جوابُهُ لا يجُوزُ حَذْفُهَا والمشهور [إظهار] هذه الباء عند الفَاءِ، وأدْغَمَها أبُو عمرو والكسائي، وهِشَام وخلاد بخلاف عَنْه.
والجمهور على"نؤتيه"بنون العظمة، وطَلْحَة بن مصرف والأعمش: بياء الغَيْبَة، وهما ظَاهِرَتَانِ. انتهى انتهى. {تفسير ابن عادل حـ 6 صـ 493 - 494} .