واعلم أن جميع ما ذكر في هذا الاعتراض تحقيق إلا الوجهين في منع أن المراد بالآية الصدقة في حال الركوع فإنهما ضعيفان (جدليان) أما الأول فلأن الجمهور من العلماء على أن العمل اليسير في الصلاة لا يبطلها، والصدقة بالدرهم والخاتم ونحوه فيها عمل يسير، فلا تبطل، وأما الثاني فلأن جعل {وَهُمْ راكِعُونَ} [المائدة: 55] جملة حالية أولى؛ لأنه أقل لعدد الجمل، وأيضا لو جعلت استئنافية لزم عطف الركوع على الصلاة وهو [تكرار أو] عطف خاص على عام، وقد كان السجود أحق بذلك فكان يجب أن يقال:
وهم ساجدون.
واعلم أن هذه الآية من عمد الشيعة، / [144/ل] وعند التحقيق واعتبار ما سبقها ولحقها لا حجة لهم فيها بوجه، والذي قرروه منها ضرب من الشبهة وإنما مقصودها التعلق بولاية الله ورسوله والمؤمنين والإعراض عن ولاية اليهود والنصارى والمشركين وأخصر ما يرد به على الشيعة أن هذه الآية أعم من دعواكم، والعام لا دلالة له على الخاص بنفي ولا إثبات؛ لأنها دلالة لازم على ملزوم وهي عقيم.
{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ} (56) [المائدة:
56]عام مطرد، لكن غلبتهم تارة في الدنيا بالظهور، وتارة بالنصرة يوم النشور.
{إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ} (51) [غافر: 51] وحينئذ لا يرد سؤال من يقول: قد رأينا كثيرا من أولياء الله - عز وجل - مغلوبين لا غالبين، فليكن هذا العام مخصوصا بهم أو أريد به خصوص الغالبين من أولياء الله - عز وجل - لا يقال هذا لما ذكرنا.
{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ} (60) [المائدة: 60] هذا إشارة إلى من مسخ من بني إسرائيل من أصحاب السبت والمائدة.
والمسخ هو: قلب الحقيقة الصورية لا الهيولانية إلى غيرها، كالإنسان قردا ونحوه.