فهرس الكتاب
التشبيهِ بهم في ذلك ، فقيل لنا: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(16) .
وبيَّنَ في موضع آخرَ سببَ قسوةِ قلوبِهِم ، فقال: سبحانه:(فَبِمَا نَقْضِهِم
مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)، فأخبرَ أنَّ قسوةَ قلوبِهِم كانَ
عقوبةً لهُم على نقضِهم مواثيقَ اللَّهِ وعهودِهِ أنْ لا تفعلُوا ذلك.
ثمَّ قال تعالى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكروا بِهِ) .
فذكرَ أنَّ قسوةَ قلوبِهم أوجبتْ لهم خصلتينِ مذمومتينِ:
إحداهما: تحريف الكلم من بعدِ مواضِعِهِ.
والثانية: نسيانُهم حظا ممَّا ذكِّرُوا به ، والمرادُ تركُهُم وإهمالُهُم نصيبًا ممَّا ذُكَرُوا به من الحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ ، فنسوا ذلكَ وتركُوا العملَ به وأهملوه.
وهذانِ الأمرانِ موجودانِ في الذين فسدُوا من علمائِنا لمشابهتِهِم لأهلِ
الكتاب:
أحدهما: تحريفُ الكلم ، فإنَّ من تفقَّه لغير العملِ يقسُو قلبُه فلا يشتغلُ
بالعملِ ، بل بتحريفِ الكلم ، وصرفِ ألفاظِ الكتابِ والسنةِ عن مواضِعِها.
والتلطفِ في ذلكَ بأنواع الحيلِ اللطيفةِ ، من حمْلِهَا على مجازاتِ اللغةِ
المستبعدَةِ ونحوِ ذلك ، والطعنُ في ألفاظِ السنن حيثُ لم يمكنْهم الطعنُ في
ألفاظِ الكتابِ ، ويذمُّونَ من تمسَّكَ بالنصوصِ وأجْرَاها على ما يُفهمُ منها
ويسمونه جاهلاً أو حسودًا.
وهذا يوجدُ في المتكلمينَ في أصولِ الدياناتِ ، وفي فقهاءِ الرأي ، وفي صوفيةِ الفلاسفةِ والمتكلمينَ.
والثاني: نسيانُ حظ مما ذُكِّرُوا به من العلم النافع فلا تتعظُ به قلوبُهم ، بل