فهرس الكتاب
والتابعينَ لهم بإحسانٍ ، وعن سُنَةِ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، ومعرفةِ صحيحِهَا وسقيمِهَا ، ثم التفقهُ فيها وتفهمُها ، والوقوفُ على معانِيها ، ثم معرفةُ كلامِ الصحابةِ والتابعينَ لهم بإحسانٍ في أنواع العلومِ من التفسيرِ والحديثِ ، ومسائلِ الحلالِ والحرامِ ، وأصولِ السنةِ والزهدِ والرقائقِ ، وغير ذلك ، وهذا هو طريقةُ الإمامِ أحمدَ ومَنْ وافقه من علماءِ الحديث الرّبَانيينَ ، وفي معرفةِ هذا شغل شاغلٌ عن التشاغُلِ بما أُحدثَ من الرأي ممَّا لا يُنتفع به ولا يقعُ ، وإنما يُورثُ التجادلُ فيه كثرةَ الخصوماتِ والجدالَ وكثرةَ القيلِ والقالَ.
وكان الإمامُ أحمدُ كثيرًا إذا سُئلَ عن شيء ٍ من المسائلِ المولداتِ التي لا تقعُ يقولُ: دعونا منْ هذه المسائلِ المحدثةِ.
وما أحسن ما قالَهُ يونسُ بنُ سليمانَ السَّقَطِيُّ: نظرتُ في الأمر ، فإذا هو
الحديثُ والرأيُ ، فوجدتُ في الحديثِ ذكرَ الربِّ عزَّ وجلَّ ، وربوبيتَه وإجلاله وعظمته ، وذكرَ العرشِ وصفةَ الجنةِ والنارِ ، وذكرَ النبيينَ والمرسلين ، والحلالِ والحرامِ ، والحثَّ على صلةِ الأرحامِ ، وجماعَ الخيرِ فيه ، ونظرتُ في الرأي ، فإذا فيه المكرُ والغدرُ ، والحيلُ ، وقطيعةُ الأرحامِ ، وجماعُ الشَّرِّ فيه.
وقال أحمدُ بن شبويه: من أرادَ علمَ القبرِ فعليه بالآثارِ ، ومن أراد علم
الخُبْزِ فعليه بالرأي.
ومن سلكَ طريقَه لطلبِ العلم على ما ذكرناه ، تمكَّن من فهمِ جوابِ
الحوادثِ الواقعةِ غالبًا ، لأن أصولَها تُوجدُ في تلكَ الأصولِ المشارِ إليها.
ولابدَّ أن يكونَ سلوكُ هذا الطريقِ خلفَ أئمةِ أهلِهِ المجمَع على هدايتهِم
ودرايتِهِم كالشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي عُبيدٍ ومن سلكَ مسلكَهم ، فإنًّ مَنِ
ادَّعى سلوكَ هذا الطريقِ على غيرِ طريقِهِم ، وقعَ في مفاوزَ ومهالكَ ، وأخذَ
بما لا يجوزُ الأخذُ به ، وتركَ ما يجبُ العملُ به.