وَقَدْ بَيَّنَّا الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ صِحَّةَ الْقَوْلِ بِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا: كِتَابٌ لَطِيفُ الْقَوْلِ فِي الْأَحْكَامِ"وَأَمَّا الدَّمُ: فَإِنَّهُ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ دُونَ مَا كَانَ مِنْهُ غَيْرَ مَسْفُوحٍ , لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} فَأَمَّا مَا كَانَ قَدْ صَارَ فِي مَعْنَى اللَّحْمِ كَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ , وَمَا كَانَ فِي اللَّحْمِ غَيْرَ مُنْسَفِحٍ , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ حَرَامٍ , لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى ذَلِكَ"
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ , أَهْلِيَّهُ وَبَرِّيَّهُ. فَالْمَيْتَةُ وَالدَّمُ مَخْرَجُهُمَا فِي الظَّاهِرِ مَخْرَجَ عُمُومٍ , وَالْمُرَادُ مِنْهُمَا الْخُصُوصُ وَأَمَّا لَحْمُ الْخِنْزِيرِ , فَإِنَّ ظَاهِرَهُ كَبَاطِنِهِ وَبَاطِنَهُ كَظَاهِرِهِ , حَرَامٌ جَمِيعُهُ لَمْ يُخَصَّصْ مِنْهُ شَيْءٌ""
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَمَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ. وَأَصْلُهُ مِنِ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ وَذَلِكَ إِذَا صَاحَ حِينَ يَسْقُطُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ , وَمِنْهُ إِهْلَالُ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ إِذَا لَبَّى بِهِ , وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ أَحْمَرَ:
[البحر السريع]
يُهِلُّ بِالْفَرْقَدِ رُكْبَانُهَا كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ الْمُعْتَمِرْ
وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} وَمَا ذُبِحَ لِلْآلِهَةِ وَلِلْأَوْثَانِ يُسَمَّى عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ. وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُنْخَنِقَةُ}
اخْتَلَفَتْ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ الِانْخِنَاقِ الَّذِي عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ {وَالْمُنْخَنِقَةُ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: «الَّتِي تُدْخِلُ رَأْسَهَا بَيْنَ شُعْبَتَيْنِ مِنْ شَجَرَةٍ , فَتَخْتَنِقُ فَتَمُوتُ»
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ الَّتِي تُوثَقُ فَيَقْتُلُهَا بِالْخِنَاقِ وَثَاقُهَا