فهرس الكتاب
يَقُولُ:"لَا مُتَجَانِفًا لِإِثْمٍ ,"
فَلِذَلِكَ نَصَبَ غَيْرَ لِخُرُوجِهَا مِنَ الِاسْمِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: {فَمَنِ اضْطُرَّ} وَبِمَعْنَى لَا , فَنُصِبَ بِالْمَعْنَى الَّذِي كَانَ بِهِ مَنْصُوبًا الْمُتَجَانِفُ لَوْ جَاءَ الْكَلَامُ: لَا مُتَجَانِفًا.
وَأَمَّا الْمُتَجَانِفُ لِلْإِثْمِ , فَإِنَّهُ الْمُتَمَايِلُ لَهُ , الْمُنْحَرِفُ إِلَيْهِ , وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُرَادٌ بِهِ الْمُتَعَمِّدُ لَهُ الْقَاصِدُ إِلَيْهِ , مِنْ جَنَفَ الْقَوْمُ عَلَيَّ إِذَا مَالُوا , وَكُلُّ أَعْوَجَ فَهُوَ أَجْنَفُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْجَنَفِ بِشَوَاهِدِهِ فِي قَوْلِهِ: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصِ جَنَفًا} بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا تَجَانُفُ آكِلِ الْمَيْتَةِ فِي أَكْلِهَا وَفِي غَيْرِهَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ أَكْلَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ لِلْإِثْمِ فِي حَالِ أَكْلِهِ , فَهُوَ تَعَمُّدُهُ الْأَكْلَ لِغَيْرِ دَفْعِ الضَّرُورَةِ النَّازِلَةِ بِهِ , وَلَكِنْ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وَخِلَافِ أَمْرِهِ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ تَرْكِ أَكْلِ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ اكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ مِنْهُ , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ إِلَى مَا حَرَّمْتُ عَلَيْهِ مِمَّا ذَكَرْتُ
فِي هَذِهِ الْآيَةِ {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} فَأَكَلَهُ {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فَتَرَكَ ذِكْرَ: فَأَكَلَهُ. وَذَكَرَ: لَهُ , لِدَلَالَةِ سَائِرِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِمَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: فَإِنَّ اللَّهَ لِمَنْ أَكَلَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَكْلَهُ فِي مَخْمَصَةٍ , غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ , غَفُورٌ رَحِيمٌ , يَقُولُ: يَسْتُرُ لَهُ عَنْ أَكْلِهِ مَا أَكَلَ مِنْ ذَلِكَ بِعَفْوِهِ عَنْ مُؤَاخَذَتِهِ إِيَّاهُ , وَصَفْحِهِ عَنْهُ , وَعَنْ عُقُوبَتِهِ عَلَيْهِ {رَحِيمٌ}
يَقُولُ:"وَهُوَ بِهِ رَفِيقٌ , مِنْ رَحْمَتِهِ وَرِفْقِهِ بِهِ , أَبَاحَ لَهُ أَكْلَ مَا أَبَاحَ لَهُ أَكْلَهُ مِنَ الْمَيْتَةِ وَسَائِرِ مَا ذُكِرَ مَعَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ , فِي حَالِ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ , مِنْ كَلَبِ الْجُوعِ وَضَرِّ الْحَاجَةِ الْعَارِضَةِ بِبَدَنِهِ."