وقد حكى النقاش أن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال نعم أعمل مثل بعضه فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلاً عاماً ثم استثنى بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا.
(أوفوا) يقال أوفى ووفى لغتان، والوفاء القيام بموجب العقد، وكذا الإيفاء (بالعقود) العهود وأصلها الرُّبوط واحدها عند، يقال عقدت الحبل والعهد فهو يستعمل في الأجسام والمعاني، وإذا استعمل في المعاني كما هنا أفاد أنه شديد الإحكام قوي التوثيق.
قيل المراد بالعقود هي التي عندها الله على عباده وألزمهم بها من الأحكام، وقيل هي العقود التي يعقدونها بينهم من عقود المعاملات والأمانات
ونحوها، والأولى شمول الآية للأمرين جميعاً، ولا وجه لتخصيص بعضها دون بعض، قال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض انتهى.
والعقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن خالفهما فهو رد لا يجب الوفاء به ولا يحل، قال ابن عباس: أوفوا بالعقود أي ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله، لا تغدروا ولا تنكثوا.
وعن قتادة قال: هي عقود الجاهلية الحلف، وعنه قال ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: أوفوا بعقد الجاهلية، ولا تحدثوا عقداً في الإسلام، وقال ابن جريج الخطاب لأهل الكتاب: أي العقود التي عهدتها إليكم في شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - والإيمان به، وما أبعده.