وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْجِرَاحَةَ مُرَادَةُ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمِعْرَاضِ أَنَّهُ: {إنْ خَزَقَ بِحَدِّهِ فَكُلْ وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ} وَمَتَى وَجَدْنَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمًا يُوَاطِئُ مَعْنَى مَا فِي الْقُرْآنِ ، وَجَبَ حَمْلُ مُرَادِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.
وقَوْله تَعَالَى: {مُكَلِّبِينَ} قَدْ قِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُكَلِّبَ هُوَ صَاحِبُ الْكَلْبِ الَّذِي يُعَلِّمُهُ الصَّيْدَ وَيُؤَدِّبُهُ.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ: مُضِرِّينَ عَلَى الصَّيْدِ كَمَا تُضَرَّى الْكِلَابُ ؛ وَالتَّكْلِيبُ هُوَ التَّضْرِيَةُ يُقَال: كَلْبٌ كَلِبٌ إذَا ضَرَّى بِالنَّاسِ.
وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ: {مُكَلِّبِينَ} تَخْصِيصٌ لِلْكِلَابِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْجَوَارِحِ ؛ إذْ كَانَتْ التَّضْرِيَةُ عَامَّةً فِيهِنَّ ، وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ بِهِ تَأْدِيبَ الْكَلْبِ وَتَعْلِيمَهُ كَانَ ذَلِكَ عُمُومًا فِي سَائِرِ الْجَوَارِحِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَا قَتَلْته الْجَوَارِحُ غَيْرَ الْكَلْبِ ، فَرَوَى مَرْوَانُ الْعُمَرِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ:"الصَّقْرُ وَالْبَازِي مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ".
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ لَيْثٍ قَالَ: سُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ الْبَازِي وَالْفَهْدِ وَمَا يُصَادُ بِهِ مِنْ السِّبَاعِ ، فَقَالَ:"هَذِهِ كُلُّهَا جَوَارِحُ".
وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى: {مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} قَالَ:"الطَّيْرُ وَالْكِلَابُ".