قال القاضي أبو محمد: وذلك بأن الرشوة تنسحت ، فالمعنى هو كما قدمناه ، وفي عبارة الطبري بعض اضطراب لأن مسحوت المعدة هو مأخوذ من الاستئصال والذهاب ، وليس كلب الغرث اصلاً للسحت ، والسحت الذي عني أن اليهود يأكلونه هو الرشا في الأحكام والأوقاف التي تؤكل ويرفد أكلها بقول الأباطيل وخدع العامة ونحو هذا ، وقال أبو هريرة وعلي بن أبي طالب: مهر البغي سحت وعسب الفحل سحت وكسب الحجام سحت وثمن الكلب والخمر سحت ، وقال ابن مسعود السحت أن يهدي لك من قد أعنته في حاجته أو حقه فتقبل ، قيل لعبد الله ما كنا نعد السحت إلا الرشوة في الحكم قال: ذلك الكفر ، وقد روي عن ابن مسعود وجماعة كثيرة أن السحت هو الرشوة في الحكم ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به ، قيل يا رسول الله وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم".
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وكل ما ذكر في معنى السحت فهو أمثلة ، ومن أعظمها الرشوة في الحكم والأجرة على قتل النفس ، وهو لفظ يعم كل كسب لا يحل ، وقوله تعالى: {فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} تخير للنبي صلى الله عليه وسلم ولحكام أمته بعده في أن يحكم بينهم إذا تراضوا في نوازلهم ، وقال عكرمة والحسن: هذا التخيير منسوخ بقوله {وأن احكم بينهم بما أنزل} [المائدة: 49] وقال ابن عباس ومجاهد: نسخ من المائدة آيتان ، قوله تعالى: {ولا القلائد} [المائدة: 2] نسختها آية السيف وقوله: {أو أعرض عنهم} نسختها {وأن احكم بينهما بما أنزل الله} [المائدة: 49] .