روى ابن أبي شيبة، والمفسرون، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من بني قريظة، وكان إذا قتَلَ رجل من النضير رجلًا من قريظة أدَّى مئة وسق من تمر، وإذا قتل رجل من قريظة رجلًا من النضير قتل به، فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة، فقالوا: ادفعوه لنا نقتلْه، فقالوا: بيننا وبينكم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأتوه فنزلت: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [سورة المائدة: 42] ، والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} [سورة المائدة: 50] .
وروى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن جرير، والطبراني عنه: أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ} إلى قوله: {الْمُقْسِطِينَ} [سورة المائدة: 42] إنما نزلت في الدِّيَة من
بني النضير وقريظة، وذلك أنَّ قتلى النضير كان لهم شرف يؤدون الدِّية كاملة، وأنَّ بني قريظة كانوا يؤدون نصف الدّية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعل الدية بينهم سواء.
189 -ومن أخلاق اليهود: أنهم لا يعفون عن القاتل على مال.
لأن القصاص في دينهم محتَّم هو أو العفو مجَّانا إلا ما بدلوه.
والنصارى أنهم لا يقتصون، ولا يمكِّنون أحداً من القصاص؛ لأنَّ العفو في دينهم واجب.
روى البخاري، والنسائي عن ابن عباس قال: كان في إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدّية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} .
والعفو أن يقبل الدِّية في العمد.
{فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} يتبع بالمعروف ويؤدى بالإحسان.
{ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} مما كتب على من كان من قبلكم.
{فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة البقرة: 178] ؛ قيل: قبول الدية.