وقال الإمام الشوكاني:
"والصابئون"مرتفع على الابتداء، وخبره محذوف والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك"."
وقد ألمح الإمام الشوكاني إلى إضافة جديدة خالف بها كلا من الخليل وسيبويه والزمخشري؛ لأن هؤلاء جعلوا"الصابئون"مقدما من تأخير كما تقدم، أما هو فجعله قاراًّ في موضعه غير مقدم من تأخير بدليل قوله:
"والصابئون والنصارى كذلك"وهذه إضافة حسنة ومقبولة. وعليه يمكن جَعْل"النصارى"مرفوعة عطفاً على"الصابئون"ولا حاجة إلى جعلها منصوبة عطفاً على"إن الذين آمنوا"، والواقع أن هذا المذهب على جملته الذي ذهب إليه جمهور علماء البصرة، وتابعهم فيه الإمام الشوكاني هو أقوى ما أورده النحاة في توجيه رفع"الصابئون"في هذه الآية الكريمة. أما بقية الآراء، فهي دون ذلك بكثير.
هذا هو توجيه رفع"الصابئون"عند جمهور النحاة والمفسرين، أما توجيهه بلاغة فهو ما يأتي:
إن مخالفة إعراب"الصابئون"عما قبلها سواء كانت مقدمة من تأخير على رأى الجمهور أو غير مقدمة على رأى الإمام الشوكاني وآخرين (8)
وعما بعدها إن قدرنا"والنصارى"معطوفاً على"إن الذين آمنوا والذين هادوا، بأن هذه المخالفة لمحة بلاغية رائعة؛ تشير إلى وجود فرق كبير بين هذه الطوائف الأربع:"
-الذين آمنوا.
-الذين هادوا.
-النصارى.
-الصابئون.
فالطوائف الثلاث الأولى يربط بينها رابط قوى هو أن كل طائفة منها لها كتاب ورسول من عند الله عز وجل.
فالذين آمنوا لهم كتاب هو القرآن، ورسول هو محمد صلى الله عليه وسلم.
والذين هادوا لهم كتاب هو التوراة، ولهم رسول هو موسى عليه السلام.
والنصارى لهم كتاب هو الإنجيل، ولهم رسول هو عيسى عليه السلام.
أما الصابئون، فليس لهم كتاب ولا رسول، وهم على ضلال مطبق لا ذرة من هداية فيه.
والمقام الذي تتحدث عنه الآية هو فتح باب القبول عند الله لكل من آمن إيماناً صحيحاً صادقاً وداوم على عمل الصالحات. فالإيمان يمحو ما قبله ولا ينظر الله إلى ماضيهم الذي كانوا عليه من كفر ومعاصٍ، والآية بدأت بالذين آمنوا ليستمروا على إيمانهم الذي هم فيه، ويلتزموا بعمل الصالحات والله سيجزيهم خير الجزاء على إيمانهم المستمر، وصلاحهم الدائم.