وهذه الآية المكية وضعت في سياق تبليغ أهل الكتاب المأمور به في المدينة، لتدل على تعرض النبي صلّى الله عليه وسلّم لإيذائهم، كما تعرض لإيذاء المشركين، والله عصمه من الفريقين.
وقيل: نزلت الآية بعد يوم أحد، بدليل قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ومعناه: أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله بك من الهلاك.
وللآية معنى أعم في الواقع وهو: بلّغ أنت والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء» كما قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [البقرة 2/ 272] وقال: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [الرعد 13/ 40] .
ثم كشف القرآن لكل الناس: أهل الكتاب والمسلمين عن حقيقة مهمة جدا هي أن النسبة إلى الدين لا تنفع إلا بالعمل به، فقال: قُلْ: يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ أي قل يا محمد لأهل الكتاب (اليهود والنصارى) : لستم على شيء من الدين يعتد به حتى تقيموا التوراة والإنجيل فيما أمرا به من التوحيد الخالص والعمل الصالح، ومما فيهما الإيمان بمحمد والأمر باتباعه والإيمان بمبعثه
والاقتداء بشريعته، وتعملوا بما أنزل إليكم من ربكم، يعني القرآن العظيم، الذي أكمل الله به الدين وختم برسالة محمد رسالات الأنبياء.
ثم كرر تعالى ما ذكر في الآية السابقة (64) : وهو القسم من الله تعالى بأن كثيرا من أهل الكتاب لا يزيدهم القرآن إلا غلوا في تكذيبهم وكفرا على كفرهم، لتعصبهم الموروث وحقدهم وحسدهم حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة 2/ 109] ، وإهمالهم التفكير بإنصاف وتجرد، فلا تأس على القوم الكافرين، أي لا تحزن يا محمد ولا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم، لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم.
أما القليل منهم الذين آمنوا بالله وحده لا شريك له وبكتبه ورسله، فلا يزيدهم القرآن إلا هدى ورشادا وإسعادا.