عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ:" {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ، وَلَيْسُوا مِنْكَ، هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ وَأَهْلُ الشُّبُهَاتِ وَأَهْلُ الضَّلَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ"
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّنْ فَارَقَ دِينَهُ الْحَقَّ، وَفَرَّقَهُ، وَكَانُوا فِرَقًا فِيهِ وَأَحْزَابًا شِيَعًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ وَلَا هُمْ مِنْهُ، لِأَنَّ دِينَهُ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ هُوَ الْإِسْلَامُ دِينُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةُ، كَمَا قَالَ لَهُ رَبُّهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، فَكَانَ مَنْ فَارَقَ دِينَهُ الَّذِي بُعِثَ بِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُشْرِكٍ وَوَثَنِيٍّ وَيَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ وَمُتَحَنِّفٍ مُبْتَدَعٍ قَدِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ مَا ضَلَّ بِهِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَالدِّينِ الْقَيِّمِ، مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْمُسْلِمِ، فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمُحَمَّدٌ مِنْهُ بَرِيءٌ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ} ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ بِالْأَمْرِ بِتَرْكِ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ وُجُوبِ فَرْضِ قِتَالِهِمْ، ثُمَّ نَسَخَهَا الْأَمْرُ بِقِتَالِهِمْ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِعْلَامًا مِنَ اللَّهِ لَهُ أَنَّ مِنَ أُمَّتِهِ مَنْ يُحْدِثُ بَعْدَهُ فِي دِينِهِ، وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، لِأَنَّهَا خَبَرٌ لَا أَمْرٌ، وَالنَّسْخُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.