وقال المحققون هذا غير جائزِ؛ لأنَّه - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - لما كان نبياً من عند اللَّه كان على ثقة ويقين من أنَّ القوم لَنْ يغلبوه، وهو عالم بأن ما أتَوْا به على وجه المعارضة من باب السحر والباطل، ومع هذا الجزم فإنه يمتنع حصول الخوف.
«فَإِنْ قِيلَ» : ألَيْسَ أنَّهُ تعالى قال: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى} [طه: 67] ؟
فالجَوابُ: ليس في الآية أن هذه الخيفة إنَّما حصلت لهذا السَّبب، بل لعله عليه الصَّلاةِ والسَّلام خاف من وقوع التَّأخير في ظهور حجّته على سحرهم.
{فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) }
قال القَاضِي: قوله: (فَوَقَعَ الحَقُّ) : يفيد قُوَّة الظُّهُورِ والثُّبُوتِ بحيثُ لا يَصحُّ فيه البُطلان كما لا يَصِحُّ في الواقعِ أن يصيرَ إلاَّ واقعاً.
«فَإِنْ قِيلَ» : قوله: (فوقع الحَقُّ) يدُلُّ على قوَّةِ الظَّهُورِ.
فكان قوله: {وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تكريراً؟
فالجَوابُ: أنَّ المرادَ: مع ثبوت الحقِّ زالت الأعيانُ الَّتي أفكوها، وهي الحِبَالُ والعصا، فعند ذلك ظهرت الغلبةُ.
(فصل)
قوله: (فَغَلِبُوا هُنالِكَ) يجوزُ أن يكون مكاناً، أي: غُلِبُوا في المكانِ الذي وقع فيه سحرهم، وهذا هو الظَّاهِرُ.
وقيل: يجوزُ أن يكون زماناً، وهذا ليس أصْلُهُ، وقد أثبت لَهُ بعضهم هذا المعنى بقوله تعالى: {هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون} [الأحزاب: 11] .
ويقول الآخر: [الكامل]
2544 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فَهُنَاكَ يَعْترفُونَ أيْنَ المَفْزَعُ؟
ولا حُجَّةَ فيهما، لأنَّ المكانَ فيهما واضحٌ.
{وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) }
قال مقاتل: «ألْقاهُمُ اللَّهُ» .
وقيل: ألهمهم اللَّهُ أنْ يسجدُوا فَسَجَدُوا.
قال الأخفشُ: من سرعة ما سَجدُوا كأنَّهم ألقوا.
قوله: {قالوا آمَنَّا بِرَبِّ العالمين} .