فهرس الكتاب
وقال الشيخ/ عبد الرحمن حَبَنَّكَة:
سورة الأعراف
{اتبعوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (3) }
فقرّر في أذهانهم أنّ الرَّبَّ الممدَّ بعطاءات الرّبوبيّة هو الذي يجب أن يتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إليهم منه.
ثم جاء في الآية (54) منها قوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُغْشِي الليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ...} [الآية: 54] .
فبنى في هذه الآية على ما سبَقَ أنْ قَرَّرَهُ في أَذْهَانِهِمْ حول ربّهم، بَيَان أَنَّه هو اللَّهُ الذي خلق السّماوات والأرض ... إلخ لئلاّ تنصرف أذهانهم في تحديده إلى أربابٍ يَعْبُدونها من دون الله.
{يابني آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْ آتِكُمْ وَرِيشاً ... (26) }
أي: أنزلنا مطراً فأنبت زرعاً فيه خيوطٌ تُغْزَل وتُنْسَجُ فتكون لباساً، لِبُعْدِ اللَّوازم.
ولكل مقام مقال، ولكلّ مخاطَبٍ حال يلائمها طبقة من طبقات الكلام، ودرجة من درجاته.
والكلام الأبلغ هو الأكثر مطابقةً لمقتضى حال مَنْ يخاطَبُ به فرداً أو جماعة، ذكوراً، أو إناثاً، أو عَامّاً لِكُلِّ من يَتَلقّاه.
{قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالقسط وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) }
ومن أغراض وضع الإِنشاء موضع الخبر: إظهار العناية والاهتمام بالشيء ، ومنه قول الله عزّ وجلّ في سورة الأعراف: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالقسط وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الآية: 29] .
كان مقتضى الظاهر أن يُقَال: وبإقامَةِ وُجُوهِكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وبدُعَائِكم مُخْلِصين له الدِّين، عطفاً على لفظ {بالقسط} وبأسلوب الخبر، لكن خُولِف هذا الظاهر فجاء التعبير بأسلوب الإِنشاء في صيغة الأمر التكليفي، إشعاراً بالاهتمام بالمطلوب في أمر التكليف.
{يابني آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين (31) }