«فَإِنْ قِيلَ» : إنّ هارون كان شريك موسى عليهما السلام في النبوّة فكيف جعله خليفة لنفسه فإنّ شريك الإنسان أعلى حالاً من خليفته، وردّ الإنسان من منصبه الأعلى إلى الأدون يكون إهانة له؟
أجيب: بأنَّ الأمر وإن كان كما ذكر إلا أنَّ موسى عليه السلام كان هو الأصل في تلك النبوّة.
«فَإِنْ قِيلَ» : لما كان هارون نبياً والنبيّ لا يفعل إلا الإصلاح فكيف وصى إليه بالإصلاح؟
أجيب: بأنَّ المقصود من هذا الأمر التأكيد كقول الخليل: {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} .
{قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ}
قال في الكشاف: ثاني مفعولي أرني محذوف أي: أرني نفسك أنظر إليك.
«فَإِنْ قِيلَ» : الرؤية عين النظر فكيف قيل: أرني أنظر إليك؟
أجيب: بأنَّ معنى أرني نفسك اجعلني متمكناً من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك وفي هذا دليل على أنَّ رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأنّ طلب المستحيل من الأنبياء محال خصوصاً ما يقتضي الجهل بالله تعالى ولذلك ردّه بأن {قَالَ} له {لَن تَرَانِي} دون لن أرى ولن أريك ولن تنظر إليّ تنبيهاً على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على بعد في الرائي لم يوجد فيه بعد وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين: قالوا: {أَرِنَا اللَّهِ جَهْرَةً} (النساء: 153)
كما قاله الزمخشري أشدّ خطأ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلم ويزيل شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا: اجعل لنا إلهاً والاستدلال بالجواب وهو قوله تعالى: {لَن تَرَانِي} على استحالتها أشدّ خطأ إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته إياه على أنه لا يراه أبداً وأن لا يراه غيره أصلاً فضلاً عن أن يدل على استحالته فإنّ أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة قالوا: لن تكون لتأبيد النفي وهو خطأ لأنها لو كانت للتأبيد لزم التناقض بذكر اليوم في قوله تعالى: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً} (مريم: 26)