فهرس الكتاب
وقوله: {قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} (قليلًا) منصوب بـ {تَذَكَّرُونَ} ، أي: تذكَّرون تذكرًا قليلًا، أو وقتًا قليلًا. و {مَا} صلة لتوكيد القلة، ولا يجوز أن تكون مصدرية، كما زعم بعضهم؛ لأن معمول ما كان في صلة المصدر لا يتقدم عليه، وقد ذكر نظيره فيما سلف.
وقرئ: (تَذَّكَّرون) بالتشديد، على إدغام التاء في الذال، و (تَذَكَّرون) بالتخفيف، على حذفها، و (يتذكرون) بياء وتاء، على معنى: قليلًا ما يتذكر هؤلاء القوم يا محمد، هذه قراءات الجمهور.
وقرئ أيضًا: (يذَّكرون) بياء والتاء مدغمة، و (تتذكرون) بتاءين، على الخطاب والكلمة على أصلها.
{وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) } :
قوله عز وجل: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} (كم) خبرية في موضع رفع بالابتداء لاشتغال الفعل بالضمير. و {مِنْ قَرْيَةٍ} تبيين، و {مِنْ} صلة، والخبر {أَهْلَكْنَاهَا} ، أو نصب بفعل مضمر بعدها يفسره هذا الظاهر وهو (أهلكنا) تقديره: وكم من قرية أهلكنا أهلكناها، وإنما قدر الفعل بعدها؛ لأن لها صدر الكلام وإن كانت خبرية لكونها محمولة على رُبّ، وفيه كلام لا يليق ذكره هنا.
وقوله: {فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا} الفاء للعطف، وفي الكلام حذف مضاف، أي: فجاء أهلها، وإنما حذف للعلم به، والمعنى: وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، كقوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} ، وقوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} وإنما احتيج إلى هذا التقدير؛ لأن الإِهلاك إنما هو بعد مجيء البأس. وذكر مجيء البأس ومعه الفاء، وهي كما علمت توجب
كون الثاني بعد الأول والمعنى على خلافه، فلذلك احتيج إلى هذا التقدير.
و {بَيَاتًا} مصدر قولك: بات يبيت بيتًا وبياتًا ومَبيتًا وبيتوتة بمعنىً، قال أبو إسحاق: يقال: بات بياتًا حسنًا، وبيتةً حسنة، انتهى كلامه.
وهو هنا يحتمل أن يكون في موضع الحال بمعنى بائتين إن حملته على المعنى، أو بائتة إن حملته على اللفظ، وأن يكون ظرفًا إذ المراد به الليل، وقد جوز أن يكون مفعولًا من أجله.