لم خص معاقبة الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، من بين سائر المكونات بالذكر مع اختصاصها بالحكمة والإتقان العجيب؟
وجوابه هو أنه لما صرح بلفظ السماء والأرض، وأبهم الأمر في خلق ما وراءهما بقوله:
وَما بَيْنَهُما
أراد إيضاحه وبيانه، فخص هذه أعني تعاقب الليل والنهار وهذه الكواكب بالذكر، إيضاحا لما أبهمه من قبل في ذلك.
التنبيه السادس
قوله تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)
لما ذكر هذه المخلوقات العظيمة، وعدد من المكونات الباهرة، عقبها بحرف التنبيه، إيقاظا وحثا على النظر، وإعلاما بأنها ملك له يتصرف فيها كيف شاء، من الحل والعقد، والزيادة والنقصان، وغير ذلك من سائر التصرفات والتغيرات.
وقوله: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)
فيه وجهان أحدهما أن تكون اللام فيهما للعهدية، فالخلق إشارة إلى ما سبق من أنواع المخلوقات كلها، والأمر، إشارة إلى قوله (مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ)
فكأنه قال: يملك جميع ما سبق من هذه الأشياء كلها.
وثانيهما: أن تكون اللام فيهما للجنسية، وعلى هذا يكون المعنى أنه يملك جميع المخلوقات والأوامر كلها، فكأنه قال: يملك القول والفعل ويجري ذلك مجرى المثل، كما يقال فلان يملك الأمر والنهي، والحل والعقد، والقبول والرد، والإبرام والنقض، يريد أنه لا تصرف لأحد سواه، ولا حكم لغيره بحال، فلما عدد أصناف المخلوقات كلها
وأنها جارية على نعت التذليل ومنهاج التسخير المطابقين لقانون المصلحة ومقتضى الحكمة، عقبها بخطاب دال على الإشادة والاشتهار، بأن من هذه حاله فهو المستحق لأن يكون له الخلق، والأمر مبالغة في الأمر وتأكيدا فيه.
التنبيه السابع
قوله تعالى: (تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) ختم هذه الآية بما يدل على الإعظام والمدح بعظم الآء، وتراكم النعم على الخلق، والبركة هي النماء والزيادة، و (تَبارَكَ اللَّهُ) بمعنى بارك الله، والبركة في حقه تعالى تكون من وجهين:
أحدهما: بالإضافة إلى ذاته تعالى بكثرة أوصاف الجلال ونعوت الكمال. إما إلى نهاية، وإما إلى غير نهاية، على حسب الخلاف بين العلماء في أوصافه تعالى.