* ونلاحظ في خطاب الله لعباده في القرآن أنّه يُنزِّلُهُم مَنْزِلَة البعيدين عنه، فيناديهم بحرف النداء"يا"مع أنّه أقربُ إليهم من حبْلِ الوريد، مراعاةً لمقام الربوبيَّةِ الرفيع، في الأمر والنهي والتوجيه، إذْ هو سبحانه العليُّ الأعْلَى.
فجاء في النصوص القرآنية: يا عبادي - يا معشر الجنّ والإِنس - يا يَحْيَى - يا عِيسَى - يا داود - يا زكريا - يا أيُّها الناس - يا أيُّها النبيّ - يا أيُّها المزّمل - يا أيُّها المدَّثِّر"."
* وأنزل أبو العتاهية مخاطَبَهُ الذي يعظه منزلة البعيد، فناداه بأداة النداء التي للبعيد"أيَا"ليشير إلى أنه غافِلٌ لاهٍ في دُنياه، فهو بمثابة البعيد الذي يحتاج إلى أداة النداء التي يُنَادى بها البعيد، فقال:
أَيَا مَنْ عَاشَ فِي الدُّنيا طَوِيلاً ... وَأَفْنَى الْعُمْرَ فِي قِيلٍ وَقَالِ
وَأَتْعَبَ نَفْسَهُ فِيمَا سَيَفْنَى ... وَجَمَّعَ مِنْ حَرَامٍ أَوْ حَلاَلِ
هَبِ الدُّنْيَا تُقَادُ إِلَيْكَ عَفْواً ... أَلَيْسَ مَصِيرُ ذَلِكَ للزَّوَالِ؟
* وخَاطَبَ سَوَارُ بْنُ المضَرَّب قلْبَهُ الذي هو منه، فناداه كما يُنادي البعيد، ليشير بذلك إلى غفلَتِه فكأنَّه بعيد، فقال:
يَا أَيُّهَا الْقَلْبُ هَلْ تَنْهَاكَ مَوْعِظَةٌ؟ ... أَوْ يُحْدِثَنْ لَكَ طُولُ الدَّهْرِ نسياناً
* وكتب والِدٌ لوَلَدِه البعيد عنه في سفر رسالةً قال له فيها ناصحاً:
أَحُسَيْنُ إِنّي واعظٌ وَمُؤَدِّبٌ ... فافْهَم فَإِنَّ الْعَاقِلَ الْمُتَأَدِّبُ
فاستعملَ أداة النداء"أ"الّتي هي للقريب على خلاف الأصل، ليشير بذلك إلى أنّه حاضر في ذهْنِهِ لا يغيب عن باله.
{قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض لا إله إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ النبي الأمي الذي يُؤْمِنُ بالله وَكَلِمَاتِهِ واتبعوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
ومن وضع الاسم الظاهر موضع الضمير بغية التوصّل إلى وصفه ما جاء في سورة الأعراف خطاباً من الله لرسوله: {قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض لا إله إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ النبي الأمي الذي يُؤْمِنُ بالله وَكَلِمَاتِهِ واتبعوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الآية: 158] .