فالالتفاتُ في: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} خطاباً لبني إسرائيل المعاصرين لنزول النصّ فيمن بعدهم فيه فائدتان:
الأولى: فنيّيّةُ التنويع في العبارة المثيرة لانْتِباه المتلَقِّي، والباعثة لنشاطه في استقبال ما يُوَجَّه له، والإِصْغَاءِ إلَيْه.
الثانية: الاقتصاد والإِيجاز في التعبير، فبدل أن يقول النصُّ لمعاصري التنزيل الكافرين من بني إسرائيل فمن بَعْدَهم: وأنتم يا بني إسرائيل ما زِلْتُم على طريقة أسْلاَفِكُمْ، أَفَلاَ تَعْقِلُونَ؟. اقْتَصَرَ النّصُّ على: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} مُسْتَغْنِياً بأُسْلُوبِ الالْتفاتِ، للدلالة على ما يُمْكِن فَهْمُه ذِهْناً، إذْ اعتَبَرَهُمُ النَّصُّ داخِلِين في عُمُوم خطاب الغائبين السّالِفين، إذْ هم موافقون على ما كانوا يفعلون، أو يفعلون مثلهم.
{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون (179) }
أي: أولئك الذين ردّوا أنفسهم بكفرهم إلى أسْفَلِ سافلين حتى صاروا أضلّ من الأنعام، فابْتَعَدُوا جدّاً عَنْ مَهَابِطِ رحْمَةِ الله فصاروا أصحاب جهنَّم يوم الدين، فناسب حالُهم أن يشار إليهم باسم الإِشارة الذي يشار به إلى البعيد.
ذَرَأْنَا: أي: خلقنا وفق نظام التناسل الذي تكون المواليد به ذُرّيَة آبائهم وأُمَّهَاتهم.
{أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادعوا شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ (195) }
جاء في هذه الآية الْبَدْءُ بالأَدْنَى لغرض الترقّي، إذ الْيَدُ أشرفُ من الرّجل، والْعَيْنُ أشرفُ من الْيَدِ، والسَّمْعُ أشرفُ من الْبَصَر، فالأعمى يستغني بالسَّمْع لتحصيل المعارف الكثيرة، لكن الأصَمَّ البصير دونه في ذلك.
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202) }