فهرس الكتاب
هَذَا الْأَمْرُ بِالْكَوْنِ مَعَ أَهْلِ الصِّدْقِ حَسَنٌ بَعْدَ قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ حِينَ نَفَعَهُمُ الصِّدْقُ وَذَهَبَ بِهِمْ عَنْ مَنَازِلِ الْمُنَافِقِينَ.
قَالَ مُطَرِّفٌ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: قَلَّمَا كَانَ رَجُلٌ صَادِقًا لَا يَكْذِبُ إِلَّا مُتِّعَ بِعَقْلِهِ وَلَمْ يُصِبْهُ مَا يُصِيبُ غَيْرَهُ مِنَ الْهَرَمِ وَالْخَرَفِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ هُنَا بِالْمُؤْمِنِينَ وَالصَّادِقِينَ عَلَى أَقْوَالٍ، فَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِمَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيِ اتَّقُوا مُخَالَفَةَ أَمْرِ اللَّهِ. (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) أَيْ مَعَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مَعَ الْمُنَافِقِينَ.
أَيْ كُونُوا عَلَى مَذْهَبِ الصَّادِقِينَ وَسَبِيلِهِمْ.
وَقِيلَ: هُمُ الْأَنْبِيَاءُ، أَيْ كُونُوا مَعَهُمْ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الْجَنَّةِ.
وَقِيلَ: هُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) - الآية إلى قوله - (أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) [البقرة: 177] .
وَقِيلَ: هُمُ الْمُوفُونَ بِمَا عَاهَدُوا، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) وَقِيلَ: هُمُ الْمُهَاجِرُونَ، لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ يَوْمَ السقيفة إن الله سمانا الصادقين
فقال: (لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ) [الحشر: 8] الْآيَةَ، ثُمَّ سَمَّاكُمْ بِالْمُفْلِحِينَ فَقَالَ: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدار والإيمان) [الحشر: 9] الآية.
وقيل: هم الذين استوت ظواهر هم وَبَوَاطِنُهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَالْغَايَةُ الَّتِي إِلَيْهَا الْمُنْتَهَى فَإِنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ يَرْتَفِعُ بِهَا النِّفَاقُ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْمُخَالَفَةُ فِي الْفِعْلِ، وَصَاحِبُهَا يُقَالُ لَهُ الصِّدِّيقُ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَنْ دُونَهُمْ عَلَى مَنَازِلِهِمْ وَأَزْمَانِهِمْ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهُمُ الْمُرَادُ بِآيَةِ الْبَقَرَةِ فَهُوَ مُعْظَمُ الصِّدْقِ وَيَتْبَعُهُ الْأَقَلُّ وَهُوَ مَعْنَى آيَةِ الْأَحْزَابِ.