فهرس الكتاب
عند من يراها نجسة الذات ، فكان ينبغي له أن يقول: إن الخمر نفسها ، وإن طهر ذاتها بالاستحالة إنما الخل ، فهي نجسة بمماسة الآنية النجسة ، إذ كانت النجاسات عنده لا يطهرها إلا الماء ، والخل لا يطهر الأنجاس ، فأما أن يقول: إن الخل وكل مائع يجري بسلاسته ورقته على النجاسة طهرت به. وإما أن يرجع عن قوله في نجاسة ذات الخمر ، فلا يعتبر على نجاستها بتحريم شربها فليس كل محرم نجسا. ألا ترى أن الحرير والديباج محرما اللبس على الذكور وهما طاهران
في أنفسهما ، ومحرم شرب الماء في آنية الذهب والفضة ، والماء طاهر ، والذي حرم منه فعل الشرب على تلك الحال ، وكذلك العصير حرم شاربه في حال صلابته التي أحدثها النشيش عليه ، وهو طاهر في نفسه إذا لم تمازجه نجاسة نجسته ، والنشيش ليس بنجس ، إنما تعبد الناس بترك هذا الشراب بعد النشيش في الشرب ، فإذا شربوه خرجوا من التعبد وواقعوا المعصية.
فمواقعة المعصية نجسة ، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم رجم ماعز بن مالك ،"اتقوا هذه القاذورات التي"
حرمها الله عليكم""
فسمى الزنا وما يضاهيه من المعاصي قاذورات. فهذا بين لا إشكال فيه أن أفعال المعاصي والكفر نجسة ، ألا ترى أن نفس الميتة لما كانت نجسة فأبيح أكلها للمضطر لم ترتفع عنه العبادة في غسل فيه وبدنه إذا وجد الماء ، وأنه ليس له أن يصلي ، والماء موجود حتى يغسل أثر نجاسة الميتة عنه ، لأنه وإن أبيح له أكلها فذاتها نجس لم تستحل على الآكل بإباحة الأكل له طاهرا ، وكذلك نفس شراب أصله طاهر لم ينجس بأن حرم شربه إنما حرم فعل المعصية في شربه فهذا صحيح لا علة فيه ، ولاغمة دونه عند من شرح الله صدره وأعاذه من دناءة أخلاق العامة ، ولم يسرع إلى الشنعة. بما لا طائل له من حجة.
ألا ترى أن الميسر هو القمار ، والمقمور طاهر في نفسه درهما كان أودينارا أوثوبا أو أي سلعة كانت ، والأنصاب حجارة ، أو صنم منحوت