ثم يعترض على المذهب الأول بأن الإيمان هو التصديق الاعتقادي لا العلمي، والاعتقادي يقبل التفاوت قوة وضعفا، وبحسب قبوله للتشكيك وعدمه. سلمنا أن الإيمان هو التصديق العلمي. لكن قد سبق في قصة إبراهيم - عليه السّلام - وسؤاله أن يرى إحياء الموتى أن العلم على أضرب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وهذه مراتب متفاوته في القوة والضعف والزيادة والنقص.
وقول المتكلمين: إن العلم لا يقبل التفاوت إنما يريدون به العلم النظري، أما باعتبار مراتبه المذكورة فيقبله.
{أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} (126) [التوبة: 126] فيه إشارة إلى أن الفتن والبلايا والمحن قد تكون زواجر وروادع وتنبيهات للإنسان على ترك ذنبه والإقبال على ربه - عز وجل - فمن وفق فعل.
القرآن، والإجابة لداعي الإيمان.
وهو حجة الجمهور على خلق الأفعال بواسطة خلق الدواعي والصوارف.
قالت المعتزلة: إنه لم يصرف قلوبهم إلا بعد أن انصرفوا بأنفسهم، فكان صرف قلوبهم عقوبة على انصرافهم الاختياري.
وأجيب بأن انصرافهم مكسوب لهم، وصرف قلوبهم مخلوق لله - عز وجل - على ما عرف.
{لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ} (128) [التوبة: 128] الآيتين تضمنتا التوحيد والنبوة، أعني رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم وبرهانهما، سيأتي إن شاء الله - عز وجل - مع ما مضى به. انتهى انتهى {الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية، للطُّوفي} ...