قال: فتبسم الشَّافِعِي وقال: يا كوفيون ، إنكم لتأتوني بعظيم من القول ، إذا كنتم تقرون بأن الله كان قبل القَبل وكان كلامه ، فمن أين لكم الكلام: إن الكلام اللَّه ، أو سوى الله ، أو غير اللَّه ، أو دون اللَّه ؟
قال: فسكت الرجل وخرج.
قال الله عزَّ وجلَّ: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(7)
الأم: جماع الوفاء بالنذر والعهد ونقضه:
قال الشَّافِعِي رحمه الله: وأنزل اللَّه تعالى: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ) الآية.
(مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا) الآية.
فإن قال قائل: كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح أهل
الحديبية ، ومن صالح من المشركين ؟
قيل: كان صلحه لهم طاعة لله ، إما عن أمر
الله - عز وجل - بما صنع نصا ، وإما أن يكون اللَّه تبارك وتعالى جعل له أن يعقد لمن رأى كا رأى ، ثم أنزل قضاءه عليه ، فصاروا إلى قضاء اللَّه جل ثناؤه ، ونسخ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعله بفعله ، بأمر اللَّه ، وكل كان طاعة لله في وقته.
فإن قال قائل ، وهل لأحد أن يعقد عقداً منسوخاً ثم يفسخه ؟
قيل له: ليس له أن يبتدئ عقداً منسوخاً ، وإن كان ابتدأه فعليه أن ينقضه ، كما ليس له أن يصلي إلى بيت المقدس ، ثم يصلي إلى الكعبة ؛ لأن قبلة بيت المقدس قد نسخت ، ومن صلى إلى بيت المقدس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نسخها فهو مطيع لله - عز وجل - ، كالطاعة له حين
صلى إلى الكعبة.