ثم ذكر سبحانه أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القعود عن الجهاد ، بل كان من عادتهم أنه صلى الله عليه وسلم إذا أذن لواحد منهم بالقعود شق عليه ذلك.
فقال: {لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر أَن يجاهدوا} وهذا على أن معنى لآية أن لا يجاهدوا على حذف حرف النفي ؛ وقيل المعنى: لا يستأذنك المؤمنون في التخلف كراهة الجهاد ؛ وقيل: إن معنى الاستئذان في الشيء الكراهة له ، وأما على ما يقتضيه ظاهر اللفظ فالمعنى: لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد ، بل دأبهم أن يبادروا إليه من غير توقف ولا ارتقاب منهم ، لوقوع الإذن منك فضلاً عن أن يستأذنوك في التخلف.
قال الزجاج: {أن يجاهدوا} في موضع نصب بإضمار في: أي في أن يجاهدوا: {والله عَلِيمٌ بالمتقين} وهم هؤلاء الذين لم يستأذنوا {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ} في القعود عن الجهاد ، والتخلف عنه: {الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر} وهم: المنافقون ، وذكر الإيمان بالله أوّلا ، ثم باليوم الآخر ثانياً في الموضعين ، لأنهما الباعثان على الجهاد في سبيل الله.
قوله: {وارتابت قُلُوبُهُمْ} عطف على قوله: {الذين لاَ يُؤْمِنُونَ} وجاء بالماضي للدلالة على تحقق الريب في قلوبهم ، وهو: الشك.
قوله: {فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} أي: في شكهم الذي حلّ بقلوبهم يتحيرون ، والتردّد: التحير.
والمعنى: فهؤلاء الذين يستأذنونك ليسوا بمؤمنين ، بل مرتابين حائرين لا يهتدون إلى طريق الصواب ، ولا يعرفون الحق.