فهرس الكتاب
قوله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ... (52) }
إن قلت: لم أتى في الأول بأداة الحصر دون الثاني، فالجواب: أن الحصر في الأول وإن لم يؤت به في الثاني؛ لأن حالهم غير منحصر في أن يصيبهم العذاب، إذ قد يقولوا: فلا يصيبهم العذاب بوجه.
فإن قلت: لم عدل من صريح النفي إلي مجازه المستفاد من الاستفهام؟ قلنا: لأن الاستفهام يقتضي الموافقة، إذ لَا يقول: هل زيد إلا قائم إلا من يعلم أنه يوافقك.
فإن قلت: لم وصف حالتي المؤمنين بالحسنيين، وعين حالتي حال المنافقين ولم يصفهما بالسوأتين؟ فالجواب: أن المنافقين كانوا يزعمون أن موت أحد المؤمنين ليس بحسن، وكذلك ظفرهم بالمؤمنين، فعبر عن هذين الوصفين الأخيرين بالحسنيين، ولما كان نفس الوصفين الأخيرين غير قبيحين عند المنافقين لم يحتج إلى وصفها بالقبيحين اكتفاء بنفيهما.
قوله تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) .
قلت: في الآية ستة أسئلة:
السؤال الأول: لم يعطفه بالواو وهو من تمام قوله تعالى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) ؟
وجوابه: أنك إذا قلت: إن جاءك زيد فأعطه درهما، أو أكرمه اقتضى الجمع والإفراد، وهنا لو عطف بالواو لتوهم أنه يخرج من عهدته بأن يقول: هم أشد الشيئين فقط.
السؤال الثاني: (هل) استفهام فيه معنى النفي، فلم عدل من صريح النفي وحقيقته إلى مجازه؟
وجوابه: أن الاستفهام يقتضي أن المستفهم موافق. ألا ترى أنه لَا يجاب بنعم ولا بلا، فلا تقول: هل زيد إلا قائم إلا من تعلم أنه يوافقك فإِن لم يوافقك، قلت: ما زيد إلا قائم، والمنافقون يوافقون على أنهم ما يتربصون بهم إلا لأحد أمرين.
السؤال الثالث: لم أتى في الأول أداة الحصر ولم يأت بها في الثاني، فقال: ونحن نتربص بكم من غير حصر؟
وجوابه: أن المنافقين لما كانوا يتربصون واحدا من ثلاثة؛ إما الظفر بهم، أو الموت مجاهدين، أو الموت من غير ثواب؛ احتيج للحصر، والمؤمنون يتربصون بالمنافقين المذكورين في الآية، وأمر ثان هو أن يسلموا فيحسن حالهم، لم يؤت بالحصر لأجل هذا.