والوجه هو الأول من الأوجه الأربعة لسلامته من الاعتراض، سواء قُدِّر فيه حذف مضاف أو لم يقدر.
وقوله: {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} يحتمل أن يكون عطفًا على قوله: {جَزَاءُ سَيِّئَةٍ} على تقدير: يجازون بمثلها وترهقهم، وأن يكون حالًا.
ويبعد أن يكون معطوفًا على {كَسَبُوا} ، كما زعم بعضهم، لأجل اختلاف لفظهما.
وقوله: {قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا} قرئ: (قِطَعًا) بفتح الطاء، وهو جمع قطعة كخِرقة وخرَقٍ. والقطعة من الشيء: الطائفة منه، أو جمع قِطْعٍ، عن أبي عبيدة، والقِطْعُ: الجزء من الليل الذي فيه ظلمة، قال الشاعر:
285 -افتحي البابَ فانظُري في النجوم ... كَم علينَا من قِطْعِ لَيْلٍ بَهيم
وهو مفعول ثان لـ {أُغْشِيَتْ} . و {مِنَ اللَّيْلِ} : صفة لقطع. و {مُظْلِمًا} : حال من الليل، والعامل في الحال أحد الشيئين:
إمَّا {أُغْشِيَتْ} ؛ لأن قوله: {مِنَ اللَّيْلِ} صفة لقوله: {قِطَعًا} ، والعامل في الصفة هو العامل في الموصوف عند صاحب الكتاب رحمه الله. فإذا قلت: مررت بزيد الظريف، كان جر الظريف عنده بالباء، وإذا كان كذلك، كان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة.
وإما ما يتعلق به {مِنَ اللَّيْلِ} وهو الفعل المختزل، والمعنى: كأن وجوههم أُلبست أجزاء من الليل في حال ظلمته، أي: كأنما ألبست سوادًا بعد سواد، وهذه صفة أهل النار، نعوذ بالله منها.
وقد جوز أن يكون حالًا من قوله: {قِطَعًا} ، وأن يكون صفة له، وكان القياس على هذين التأويلين أن يقال: مُظلِمةً، وإنما ذُكّر على تأويل الجمع، أو لأن المراد بقطع الليل: الليل.
وقرئ: (قِطْعًا) بإسكان الطاء، كقوله: {بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} ، وفيه وجهان:
أحدهما: - وهو الوجه وعليه الجل - أن يكون مفردًا، فيكون (مظلمًا) صفة له، تعضده قراءة من قرأ: (كأنهما يغشى وجوههم قطعٌ من الليل مظلمٌ) وهو أُبي بن كعب - رضي الله عنه -، أو حالًا منه، لكونه قد وصف بقوله: مِنَ اللَّيْلِ، والعامل فيها {أُغْشِيَتْ} ، أو من المنوي في قوله: {مِنَ اللَّيْلِ}