وهنا نلمح أن الصيحة فيها ضعف الأنوثة ، أما الصياح ففيه عزيمة وقوة الرجولة ، فأراد الحق سبحانه أن يجمع الأمرين ، فقال:"أخذ"ولم يقل:"أخذت".
ثم قال سبحانه:
{فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 67] .
أي: مُلْقون على رُكَبهم وعلى جباههم بلا حركة .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ}
ومادة"غَنِيَ". ."غِنىً"، أو"غَنَاءً"كلها متساوية ؛ لأن الغَنَاء هو الوجود ؛ وجود شيء يُغَنِي عن شيء ، فالغِنَى هو وجود مال يغنيك عن غيرك ، والغناء هو ما نسمعه من المُغَنِّين ، والأغنية التي يعجب الإنسان من كلماتها ولحنها ، فهو يقيم معها إقامة تطرد ما سواها مما سمع من الكلام على كثرة ما سمع أو قرأ ، والغَناء هو للإقامة .
والحق سبحانه يقول:
{حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس} [يونس: 24] .
أي: كأنها لم توجد من قبل .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ} [هود: 68] .
أي: لم يقيموا فيها ، لأنها صارت حصيداً .
ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية: {أَلاَ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفرُواْ رَبَّهُمْ} [هود: 68] ، وهذه هي حيثية العذاب الذي نزل بهم .
وعادة ما تتعدى كلمة"كفر"بالباء ، ويقال: كفروا بربهم ، ولكن الحق سبحانه يقول هنا:
{أَلاَ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفرُواْ رَبَّهُمْ} [هود: 68] .
والفارق كبير بين المعنيين ، فمعنى {كَفرُواْ رَبَّهُمْ} أي: ستروا وجوده ، فلا وجود له ، ولكن معنى"كفروا بربهم"هو اعتراف بالله الموجود ، لكنهم لم يؤمنوا به .