فهرس الكتاب
قال ابن عطيّة: حيّاً الخليل بأحسن ممّا حُيّيَ به ، أي نظراً إلى الأدب الإلهي الذي عَلّمَهُ لَنَا في القرآن بقوله: {وإذا حيّيتم بتحيةٍ فَحَيّوا بأحسن منها أو رُدُّوها} [النساء: 86] ، فَحكيَ ذلك بأوجز لفظ في العربية أداءً لمعنى كلام إبراهيم عليه السّلام في الكلدانيّة.
وقرأ الجمهور {قال سَلامٌ} بفتح السّين وبِألِف بعد اللاّم.
وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف: {قال سِلْم} بكسر السّين وبدون ألِف بعد اللاّم وهو اسم المسالمة.
وسمّيت به التحية كما سمّيت بمرادفِه (سَلام) فهو من باب اتّحاد وزن فَعال وفِعْل في بعض الصفات مثل: حرام وحِرم ، وحلال وحلّ.
والفاء في قوله: {فما لبث} للدّلالة على التعقيب إسراعاً في إكرام الضّيف ، وتعجيل القرى سنّة عربيّة: ظنهم إبراهيم عليه السّلام ناساً فبادر إلى قراهم.
واللّبث في المكان يقتضي الانتقال عنه ، أيْ فما أبطأ.
و {أن جاء} يجوز أن يكون فاعل {لَبِثَ} ، أي فما لبث مجيئه بعجل حنيذ ، أي فما أبطأ مَجيئه مصاحباً له ، أي بل عجّل.
ويجوز جعل فاعل {لبث} ضمير إبراهيم عليه السّلام فيقدّر جارّ ل {جاء} .
والتّقدير: فما لبث بأن جاء به.
وانتفاء اللبث مبالغة في العجل.
والحنيذ: المشوي ، وهو المحنوذ.
والشيُّ أسْرَع من الطبخ ، فهو أعون على تعجيل إحضار الطعام للضيف.
و {لا تصل إليه} أشد في عدم الأخذ من (لا تتناوله) .
ويقال: نكر الشيء إذا أنكره أي كرهه.
وإنّما نكرهم لأنّه حسب أنّ إمساكهم عن الأكل لأجل التبرّؤ من طعامه ، وإنّما يكون ذلك في عادة النّاس في ذلك الزّمان إذا كان النّازل بالبيت يضمر شرّاً لمضيّفه ، لأنّ أكل طعام القرى كالعهد على السّلامة من الأذى ، لأنّ الجزاء على الإحسان بالإحسان مركوز في الفطرة ، فإذا انكفّ أحد عن تناول الإحسان فذلك لأنّه لا يريد المسالمة ولا يرضى أن يكون كفوراً للإحسان.