وبلغ بهم قبيح فعلهم إلى قوله هذا مع علمه بما عند الله تعالى؛ فيروى أن الملائكة وَجَدت عليه حين قال هذه الكلمات، وقالوا: إن ركنك لشديد.
وفي البخاري عن أبي هُريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد"الحديث؛ وقد تقدّم في"البقرة".
وخرجه الترمذيّ وزاد"ما بعث الله بعده نبياً إلا في ثروة من قومه".
قال محمد بن عمرو: والثروة الكثرة والمنعة؛ حديث حسن.
ويروى أن لوطاً عليه السلام لما غلبه قومه، وهمّوا بكسر الباب وهو يمسكه، قالت له الرسل: تنحّ عن الباب؛ فتنحّى وانفتح الباب؛ فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم، وعَمُوا وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاء؛ قال الله تعالى: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ} [القمر: 37] .
وقال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسوّر الجدار؛ فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنّصب بسببهم، قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، وأنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنا رسل ربك؛ فافتح الباب ودعنا وإياهم؛ ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه على ما تقدّم.
وقيل: أخذ جبريل قبضة من تراب فأذراها في وجوههم، فأوصل الله إلى عين مَن بَعُد ومَن قَرُب من ذلك التراب فطمس أعينهم، فلم يعرفوا طريقاً، ولا اهتدوا إلى بيوتهم، وجعلوا يقولون: النجاء النجاء فإن في بيت لوط قوماً هم أسحر من على وجه الأرض، وقد سحرونا فأعموا أبصارنا.
وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى نصبح فسترى؛ يتوعدونه. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 9 صـ}