وكلمة"يهرعون"هي من الألفاظ العجيبة في اللغة العربية ، وألفاظ اللغة تجد فيها فعلاً له فاعل ، كقولنا:"يضربُ زيدٌ عَمْراً"أي: أن الضارب هو"زيد"والمضروب هو"عمرو"، ونقول:"يُضْرَبُ عمرو"أي: أننا بنينا الفعل للمجهول ، وسُمِّي عمرو"نائب فاعل".
أما في الفعل"يُهْرَعُ"فلا نجد أحداً يقول:"يُهرع"إلا ويكون بعدها فاعل وليس نائب فاعل ، مثلها مثل الفعل"جُنَّ"فهل هناك من يأتي لنفسه بالجنون ، أم أن الجنون هو الذي جاءه؟ لا أحد يعرف سبب الجنون ؛ ولذلك بُنيت الكلمة للمجهول ، ولكن ما يأتي بعدها يكون فاعلاً . وهذا من إعجاز البيان القرآني .
وكذلك نقول:"زُكِمَ فلان"فمن الذي أصابه بالزكام؟ لا نعرف سبباً ظاهراً للزكام .
إذن: فإذا جُهِلَ الفاعل فنحن نبني الفعل للمجهول ، ولكن ما يأتي بعده يكون فاعلاً .
وقول تعالى:
{يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} [هود: 78] .
يبيِّن أنهم أقبلوا باندفاع ، كأنهم يعشقون ما يذهبون إليه ؛ لأن كلاً منهم له دربة على ذلك الفعل المشين ، أو أن كلاً منهم ذاهب إلى ما يحب دون تَهيُّب ، باندفاع من نفسه ودَفْع من غيره ، مثلما تقول:"سنوزع تمويناً بالمجان"؛ هنا تجد الناس يتدافعون ، كل منهم من تلقاء نفسه ، وغيره يدفعه ليرتد إلى الوراء .
وقوم لوط كانوا على دُرْبة بتلك الفاحشة .
يقول الحق سبحانه عنهم:
{وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات} [هود: 78] .
أي: أن هذه المسألة عندهم كانت محببة ، ولهم دربة عليها وخفيفة على قلوبهم ، ولا حياء يمنعهم عنها .
فالحياء يعني أن بعض الناس يعمل السيئة ويخشى الآخرون أن يفعلوها ، لكن إذا ما كانوا يحبون تلك السيئة ، فلن يخجل أحد من الآخر .