ممن شئت ، وإن كنت تعفو فهو الظنّ بك ؛ قال: قد عفوت رجاء أن يعفو الله عني ؛ فانجلت الغبرة ، وظهرت الشمس ، وأضاء مشارق الأرض ومغاربها ، وجعل التاجر يزوره بالغداة والعشي ويكرمه ، حتى وصل إلى مصر فاغتسل في نيلها وأذهب الله عنه كآبة السفر ، وردّ عليه جماله ، ودخل به البلد نهاراً فسطع نوره على الجدران ، وأوقفوه للبيع فاشتراه قطفير وزير الملك ؛ قاله ابن عباس على ما تقدّم.
وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه ، ثم مات الملك ويوسف يومئذ على خزائن الأرض ؛ فملك بعده قابوس وكان كافراً ، فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى.
{أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} أي منزله ومقامه بطيب المطعم واللباس الحسن ؛ وهو مأخوذ من ثوى بالمكان أي أقام به ؛ وقد تقدّم في"آل عمران"وغيره.
{عسى أَن يَنفَعَنَآ} أي يكفينا بعض المهمات إذا بلغ.
{أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} قال ابن عباس: كان حَصُوراً لا يولد له ، وكذا قال ابن إسحق: كان قطفير لا يأتي النساء ولا يولد له.
فإن قيل: كيف قال"أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا"وهو ملكه ، والوَلدَية مع العبدية تتناقض؟ قيل له: يعتقه ثم يتخذه ولداً بالتّبنّي ؛ وكان التّبني في الأمم معلوماً عندهم ، وكذلك كان في أوّل الإسلام ، على ما يأتي بيانه في"الأحزاب"إن شاء الله تعالى.
وقال عبد الله بن مسعود: أحسن الناس فراسة ثلاثة ؛ العزيز حين تفرّس في يوسف فقال: {عسى أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} ، وبنت شعيب حين قالت لأبيها في موسى {استأجره إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26] ، وأبو بكر حين استخلف عمر.