فهرس الكتاب
{يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا}
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: {أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً} أي قال للساقي: إنك تُردّ على عملك الذي كنت عليه من سقي الملك بعد ثلاثة أيام، وقال للآخر: وأمّا أنت فتُدعَى إلى ثلاثة أيام فتصلب فتأكل الطير من رأسك، قال: والله ما رأيتُ شيئاً؛ قال: رأيت أوَ لم تَرَ {قُضِيَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} .
وحكى أهل اللغة أن سقى وأسقى لغتان بمعنًى واحد، كما قال الشاعر:
سَقَى قومي بَنِي مَجْدٍ وأَسْقَى ... نُمَيْراً والقبائلَ من هِلال
قال النحاس: الذي عليه أكثر أهل اللغة أن معنى سقاه ناوله فشرب، أو صبّ الماء في حلقه ومعنى أَسْقاه جعل له سُقْيا؛ قال الله تعالى: {وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً} [المرسلات: 27] .
الثانية: قال علماؤنا: إن قيل من كذب في رؤياه ففسرها العابر له أيلزمه حكمها؟ قلنا: لا يلزمه؛ وإنما كان ذلك في يوسف لأنه نبيّ، وتعبير النبيّ حكم، وقد قال: إنه يكون كذا وكذا فأوجد الله تعالى ما أخبر كما قال تحقيقاً لنبوّته؛ فإن قيل: فقد رَوى عبد الرزاق عن مَعْمَر عن قَتَادة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني رأيتُ كأني أعْشَبْتُ ثم أجْدبتُ ثم أعْشبتُ ثم أجْدبتُ، فقال له عمر: أنت رجل تؤمن ثم تكفر، ثم تؤمن ثم تكفر، ثم تموت كافراً؛ فقال الرجل: ما رأيت شيئاً؛ فقال له عمر: قد قضي لك ما قضي لصاحب يوسف؛ قلنا: ليست لأحد بعد عمر؛ لأن عمر كان مُحَدَّثاً، (وكان إذا ظن ظناً كان) وإذا تكلم به وقع، على ما ورد في أخباره؛ وهي كثيرة؛ منها أنه دخل عليه رجل فقال له: أظنك كاهناً فكان كما ظن؛ خرجه البخاريّ.
ومنها أنه سأل رجلاً عن اسمه فقال له فيه أسماء النار كلها، فقال له: أدرك أهلك فقد احترقوا، فكان كما قال، خرجه الموطأ.