فهرس الكتاب
قوله - جلَّ جلالُه: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ(50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ)
ثبتهن الله على إعصامهن إياه الأول يوم فجئتهن فأكبرنه عن التلبس بفاحشة، وأقرت
امرأة العزيز على نفسها بأنها هي التي راودته عن نفسه وصدقته بذلك، وهذا من
آيات الله - جلَّ جلالُه - على نبوته وكراماته لرسله للسائلين، أي: الباحثين عن لطيف صنع الله
-عز وجل - للنبوة والأنبياء، وكرامة من أراد بذلك صلى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين
الطيبين وسلم.
(عبرة) :
انظر - وفقك الله - ما بين كفاية التوكل والتفويض إلى الله - جلَّ جلالُه - وما بين
التكيس والتكسب حيث قال للذي ظن أنه ناجٍ من الفتيين للنبوة وكرامة من أراد
بذلك: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) لم يفوض الأمر إلى ربه تبارك وتعالى في ذلك،
فعوقب بأن لبس في السجن بضع سنين [1] ، ثم لما جاءه من غير تعرض منه لذلك ولا
تكسب صحة نيته في طلب البراءة مما قذفوه به ظلمًا أخذ الله بسمع امرأة العزيز
وقلبها وجعلها تقر على نفسها بما كانت قبل تجاحش عنه وتتبرأ منه، وتشهد النساء
له بما قد كان جعل الله في قلوبهن يومئذٍ من الإكبار له عن دنس الريبة والتلوث
بالمعصية، لا لمعنى يستفدنه بذلك من [دينٍ] ، ولا براءة توبة يرجينها عند الله، وهذا
خارج عن الفوائد المعهودة.
ثم قال: (ذَلِكَ ...(52) . أي: من ردي للرسول واحتباسي عن الانطلاق (لِيَعْلَمَ)
الملك (أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ و) لتعلموا (أَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)
أعلم - عليه السَّلام - أن النسوة اللاتي تلبسن بالخيانة ورضين بها وكذبن عليه
أولاً لم يهدِ الله كيدهن، ولا يهدي كيد الخائنين، بل جعلهن يستشهدن بشهادتهن،
الأولى وهذا داخل في الإعجاز، وهو من الآيات للسائلين.