فهرس الكتاب
ولما دنا الفرج من يوسف عليه السلام، برحمته تعالى، ما هيأه من الأسباب؛ رأى فرعون مصر هذه الرؤيا التي أشار إليها تعالى بقوله:
{وَقَالَ الْمَلِكُ} أي: لملئه: {إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} أي: هالكات من الهزال. جمع عجفاء، بمعنى المهزولة، ضد السمينة {وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ} أي: وأرى رؤيا ثانية: سبع سنبلات: {خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} أي: وسبعاً أخر يابسات دقيقة، أي: نبتت وراءها، فابتلعت السنابل الخضر الممتلئة، وإنما استغنى عن عددها وإعدامها للخضر؛ للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات؛ لأنها نظيرتها.
وقوله: {يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} خطاب للأشراف من قومه، وكان دعا إثر استيقاظه سحرة مصر وحكماءها، وقص عليهم رؤياه هذه.
{قَالُواْ} أي: الملأ للملك: {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي: تخاليطها. جمع (ضغث) وهو في الأصل ما جمع من أخلاط النبات وحُزِمَ، ثم استعير لما تجمعه القوة المتخيلة من أحاديث النفس، ووساوس الشيطان، وتريها في المنام. و (الأحلام) جمع (حلم) ، وهو ما يراه النائم، فهو مرادف للرؤيا، إلا أنها غلبت في رؤيا الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على خلافه. وفي الحديث: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان) .
قال التوربشتي: الحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا، والتفريق من الاصطلاحات التي سنها الشارع للفصل بين الحق والباطل، كأنه كره أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد، فجعل الرؤيا عبارة عن الصالح منها، لما في الرؤيا من الدلالة على المشاهدة بالبصر أو البصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان؛ لأن أصل الكلمة لم يستعمل إلى فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة، مما لا حقيقة له. انتهى.