{وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ} أي: لخدامه الكيالين: {اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ} يعني ببضاعتهم، ما شروا به الطعام. روي أنها كانت فضة. أي: اجعلوها في أمتعتهم من حيث لا يشعرون {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا} أي: لكي يعرفونها {إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ} أي: وفتحوا أوعيتهم: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي: حسبما أمرتهم به، فإن التفضل عليهم بإعطاء البدلين من أقوى الدواعي إلى الرجوع.
{فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ} أي: أنذرنا بمنعه بعد هذا، إن لم نأت بأخينا {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ} أي: نرفع المانع من الكيل، ونكتل من الطعام ما نحتاج إليه، وقرئ (يكتل) بالتحتية أي: أخونا لنفسه مع اكتيالنا {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي: من أن يناله مكروه.
{قَالَ} أي: يعقوب لهم: {هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ} أي: من قبله، يوسف. يعني: هل أقدر أن آخذ عليكم العهد والميثاق، أكثر مما أخذت عليكم في يوسف، وقد قلتم: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [يوسف: من الآية 12] ، ثم خنتم بضمانكم؟ فما يؤمنني من مثل ذلك؟ فلا أثق بكم، ولا بحفظكم، وإنما أفوض الأمر إلى الله: {فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً} أي: منكم ومن كل أحد: {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} أي: أرحم من والديه وإخوته، فأرجو أن يرحمني بحفظه. وهذا ميل منه إلى الإذن في إرساله معهم لما رأى فيه من المصلحة. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 9 صـ 200 - 201}