فهرس الكتاب
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ... (77) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} يَعْنُونَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَهُوَ يُوسُفُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّرَقِ الَّذِي وَصَفُّوا بِهِ يُوسُفَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ صَنَمًا لِجَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ كَسَرَهُ وَأَلْقَاهُ عَلَى الطَّرِيقِ [1] .
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «سَرَقَ يُوسُفُ صَنَمًا لِجَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ، كَسَرَهُ وَأَلْقَاهُ فِي الطَّرِيقِ، فَكَانَ إِخْوَتُهُ يَعِيبُونَهُ بِذَلِكَ»
عَنْ قَتَادَةَ: «أَرَادُوا بِذَلِكَ عَيْبَ نَبِيِّ اللَّهِ يُوسُفَ، وَسَرِقَتُهُ الَّتِي عَابُوهُ بِهَا صَنَمٌ كَانَ لِجَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ، فَأَخَذَهُ، إِنَّمَا أَرَادَ نَبِيُّ اللَّهِ بِذَلِكَ الْخَيْرَ، فَعَابُوهُ»
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «كَانَتْ أُمُّ يُوسُفَ أَمَرَتْ يُوسُفَ يَسْرِقَ صَنَمًا لِخَالِهِ يَعْبُدُهُ، كَانَتْ مُسْلِمَةً»
[عن] ابْن إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ:"كَانَ بَنُو يَعْقُوبَ عَلَى طَعَامٍ، اضْطُرَّ يُوسُفُ إِلَى عِرْقٍ فَخَبَّأَهُ، فَعَيَّرُوهُ بِذَلِكَ"
وَقَالَ آخَرُونَ [فِيمَا روي] عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ:"كَانَ أَوَّلُ مَا دَخَلَ عَلَى يُوسُفَ مِنَ الْبَلَاءِ فِيمَا بَلَغَنِي أَنَّ عَمَّتَهُ ابْنَةَ إِسْحَاقَ، وَكَانَتْ أَكْبَرَ وَلَدِ إِسْحَاقَ، وَكَانَتْ إِلَيْهَا مِنْطَقَةُ إِسْحَاقَ، وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَهَا بِالْكِبَرِ، فَكَانَ مَنِ اخْتُصَّ بِهَا مِمَّنْ وَلِيَهَا كَانَ لَهُ سَلَمًا لَا يُنَازَعُ فِيهِ، يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ وَكَانَ يَعْقُوبُ حِينَ وُلِدَ لَهُ يُوسُفُ، كَانَ قَدْ حَضَنَتْهُ عَمَّتُهُ، فَكَانَ مَعَهَا وَإِلَيْهَا، فَلَمْ يُحِبَّ أَحَدٌ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ حُبَّهَا إِيَّاهُ، حَتَّى إِذَا تَرَعَرَعَ وَبَلَغَ سَنَوَاتٍ، وَوَقَعَتْ نَفْسُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ، أَتَاهَا فَقَالَ: يَا أُخَيَّةُ، سَلِّمِي إِلَيَّ يُوسُفَ، فَوَاللَّهِ مَا أَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَغِيبَ عَنِّي سَاعَةً فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِتَارِكَتِهِ، وَاللَّهِ مَا أَقْدِرُ أَنْ يَغِيبَ عَنِّي سَاعَةً قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِتَارِكِهِ قَالَتْ: فَدَعْهُ عِنْدِي أَيَّامًا أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأَسْكُنُ عَنْهُ، لَعَلَّ ذَلِكَ يُسَلِّينِي عَنْهُ أَوْ كَمَا قَالَتْ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا يَعْقُوبُ عَمَدَتْ إِلَى مِنْطَقَةِ إِسْحَاقَ فَحَزَّمَتْهَا عَلَى يُوسُفَ مِنْ تَحْتِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ قَالَتْ: لَقَدْ فَقَدْتُ مِنْطَقَةَ إِسْحَاقَ، فَانْظُرُوا مَنْ أَخَذَهَا وَمَنْ أَصَابَهَا فَالْتُمِسَتْ، ثُمَّ قَالَتِ: اكْشِفُوا أَهْلَ الْبَيْتِ فَكَشَفُوهُمْ، فَوَجَدُوهَا مَعَ يُوسُفَ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لِي لَسَلْمٌ أَصْنَعُ فِيهِ مَا شِئْتُ. قَالَ: وَأَتَاهَا يَعْقُوبُ فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ وَذَاكَ، إِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ سَلْمٌ لَكِ، مَا أَسْتَطِيعُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأَمْسَكَتْهُ، فَمَا قَدَرَ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ حَتَّى مَاتَتْ. قَالَ: فَهُوَ الَّذِي تَقُولُ إِخْوَةُ يُوسُفَ حِينَ صَنَعَ بِأَخِيهِ مَا صَنَعَ حِينَ أَخَذَهُ: {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} ." [2]
[1] يقول ابن القماش:
كلام في غاية البعد يفتقر إلى سند صحيح، ولولا حرصنا على جمع المادة العلمية لهذا السفر الجليل لكان الأولى اطراح هذه الروايات الواهية وما شابهها، وإنما تعرضنا لها لننبه على وهنها وضعفها،
والذي تطمئن إليه النفس أن هذا محض كذب وافتراء من إخوة يوسف - عليه السلام - الذين لم يتورعوا عن الكذب والبهتان في قصة القميص قبل ذلك، وكان منهم ما كان مع يوسف - عليه السلام - والله أعلم.
[2] كالرواية السابقة.