(فصل)
قال أبو عبد الله بن الأزرق الحميري:
{نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) }
(المسألة الثالثة: فيما به علاج هذين الداءين المهلكين)
ولما كان الكبر منهما ناشئا عن العجب إذ هو له السبب الأكثري كما قرره العلماء رضي الله عنهم كان العلاج لهما على الجملة واحدا، وهو باعتبار التفصيل لما يخصهما منه بحسب هذا المقام أنواع:
أحدها: أن يلتفت إلى «أن التواضع» كما أشار إليه الماوردي: «عطوف، والعجب منفر» . ولا خفاء أن المتعلم محتاج إلى التخلق بما يستميل به قلوب المعلمين، ويدرأ به مفاسد النفور عنه، فإن هو أعجب بنفسه حتى غلب عليه الكبر، فقد تعرض للخيبة مع المقت له ومقابلته بالإعراض عنه، وقد تقدم معنى قولهم: «المتواضع من طلاب العلم أكثر علما كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء» .
الثاني: أن يصرف نظره إلى من فوقه من العلماء، ومن تقدمه في جودة الفهم، وإتقان التحصيل، ومتى لم ينظر إلا إلى كثرة من دونه من الجهال، تولد العجب لا محالة، ونشأ عنه بعد ذلك الزهو والكبرياء، والواجب صرف هذا النظر إلى الوجهة الأخرى. فإنه كما قال الماوردي:
«ليس متناه في العلم، إلا وسيجد من هو أعلم منه (بشيء) ، إذ العلم أكثر من أن يحيط به بشر. قال الله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} .
قيل: فوق كل عالم من هو أعلم منه حتى ينتهي ذلك إلى الله عز وجل.
وقيل لبعضهم: من يعرف كل العلم؟ قال: كل الناس.
وقال الشعبي: ما رأيت مثلي، وما أشاء أن ألقى رجلا أعلم مني إلا لقيته.
قال: ولم يذكر هذا القول تفضيلا لنفسه فيستقبح منه، وإنما ذكره تعظيما للعلم عن أن يحاط به.
قال: فينبغي لمن عرف أن ينظر إلى نفسه بتقصير ما قصر فيه، ليسلم من عجب ما أدرك منه، فقد قيل: إذا علمت فلا تفكر في كثرة من دونك من الجهال، ولكن انظر إلى من فوقك من العلماء.
من شاء عيشا حميدا يستفيد به ... في دينه ثم في دنياه إقبالا
فلينظرن إلى من فوقه أدبا ... ولينظرن إلى من دونه مالا»
الثالث: أن يشعر نفسه بمعنى قول الماوردي في جملة هذا العلاج:
«وقلما تجد بالعلم معجبا، وبما أدركه منه مفتخرا، إلا من كان فيه مقلا، ومقصرا لأنه يجهل قدره، ويحسب أنه نال بالدخول فيه أكثره.
فأما من كان فيه متوجها، ومنه مستكثرا، فهو يعلم من بعد غايته، والعجز عن إدراك نهايته ما يصده عن العجب به.