وقد بدأ التمكين في الأرض من لحظة دخوله إلى بيت عزيز مصر ليحيا حياة طيبة ؛ وليعلمه الله تأويل الحديث ؛ بأن يهبه القدرة على تفسير الرُّؤى والأحلام ؛ وليغلب الله على أمره .
ولو نظر إخوته إلى ما آل إليه يوسف عليه السلام فسيعرفون أن مرادهم قد خاب ؛ وأن مراد الله قد غلب ؛ بإكرام يوسف ؛ وهم لو علموا ذلك لَضَنَّوا عليه بالإلقاء في الجُبِّ ، وهذا شأن الظالمين جميعاً .
ولذلك نقول: إن الظالم لو عَلِم ما أعدَّه الله للمظلوم لَضَنَّ عليه بالظلم .
وساعة يقول الحق سبحانه:
{والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ ...} [يوسف: 21] .
فهذا قول نافذ ؛ لأنه وحده القادر على أن يقول للشيء كُنْ فيكون ؛ ولا يوجد إله غيره ليرد على مراده .
ولذلك قلنا قديماً: إن الله سبحانه وتعالى قد شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو ؛ وهو يملك الرصيد المطلق المؤكد بأنه لا إله غيره ؛ فهو وحده الذي له المُلْك ، وهو وحده القادر على كل شيء .
ولكن خيبة بعض من الخلق الذين يتوهمون أنهم قادرون على أن يُخطِّطوا ويمكروا ؛ متناسين أو ناسين أن فوقهم قَيُّوم ؛ لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولو انتبه هؤلاء لَعلِمُوا أن الله يُملِّك بحق مَنْ يُظلم فوق إلى ظَلمه .
ورأينا في حياتنا وتاريخنا ظالمين اجتمعوا على ظُلْم الناس ؛ وكان مصيرهم أسوأ من الخيال ؛ وأشد هَوْلاً من مصيرهم لو تحكم فيهم مَنْ ظلموهم .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ...} .
والبلوغ هو الوصول إلى الغاية ، وقوله تعالى:
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} [يوسف: 22] أي: وصل إلى غايته في النُّضْج والاستواء ؛ ومن كلمة"بلغ"أخذ مصطلح البلوغ ؛ فتكليف الإنسان يبدأ فَوْرَ أن يبلغ أشده ؛ ويصير في قدرة أن ينجب إنساناً مثله .