فهرس الكتاب
أما شأن الأمم فليس على ذلك ؛ فإن الروح الذي أودعه الله جميع شرائعه الإلهية: من تصحيح الفكر ، وتسديد النظر ، وتأديب الأهواء ، وتحديد مطامح الشهوات ، والدخول إلى كل أمر من بابه ، وطلب كل رغيبة من أسبابها ، وحفظ الأمانة ، واستشعار الأخوة ، والتعاون على البر ، والتناصح في الخير والشر ، وغير ذلك من أصول الفضائل ، ذلك الروح هو مصدر حياة الأمم ، ومشرق سعادتها في هذه الدنيا قبل الآخرة: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} [آل عِمْرَان: من الآية 145] ، ولن يسلب الله عنها نعمته ما دام هذا الروح فيها . يزيد الله النعم بقوته وينقصها بضعفه ، حتى إذا فارقها ذهبت السعادة على أثره وتبعته الراحة إلى مقره ! واستبدل الله عزة القوم بالذل ، وكُثرهم بالقل ، ونعيمهم بالشقاء ، وراحتهم بالعناء ، وسلط عليهم الظالمين أو العادلين فأخذهم بهم وهم في غفلة ساهون: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} [الإسراء: 16] ، أمرناهم بالحق ففسقوا عنه إلى الباطل ، ثم لا ينفعهم الأنين ، ولا يجديهم البكاء ، ولا يفيدهم ما بقي من صور الأعمال ، ولا يستجاب منهم الدعاء ، ولا كاشف لما نزل بهم إلا أن يلجأوا إلى ذلك الروح الأكرم فيستنزلوه من سماء الرحمة ، يُرسُل الفكر والذكر والصبر والشكر: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 62] ، وما أجلَّ ما قاله العباس بن عبد المطلب في استسقائه . اللهم ! إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يرفع إلا بتوبة . . ! .