وقال المؤيد بالله:
(إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ(7)
(دقيقة)
اعلم أن «إنما» الأصل في وضعها أن تكون لما لا يجهله المخاطب أو ما ينزل منزلته، فأما الأول فمثاله قوله تعالى: (إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ) [سورة هود: 12] وقوله (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ) [سورة الرعد: 7] و (إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ) [سورة طه: 98] و (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها(45) [سورة النازعات: 45] وقوله تعالى: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) [سورة فاطر: 28]
إلى غير ذلك مما يتضح الأمر فيه ويكون ظاهرا، وأما مثال الثاني فقولك: إنما هو أخوك، وإنما هو صاحبك القديم، فتذكر هذا لمن يعترف بحقه ويقرّ به، غير أنك تريد أن تنبيه إلى ما يجب من حق الأخوة وحرمة الصحبة، قال الشاعر:
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن وجهه الظلماء
وتقول: إنما هو أسد وسيف صارم، أي أن هذه الصفات ثابتة لازمة له.
(لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ(11)
والمعقبات هم الحرس حول السلطان يحفظونه على زعمه من أمر الله، فهو وارد على جهة التهكم [[1] ]، لأن أمر الله إذا جاء وقضي لا يحفظ عنه حافظ، ولا يمكن رده، ولا يستطاع دفعه بحال.
ومن الأبيات الشعرية ما كان واردا على جهة التهكم كقول من قال في رجل يتهكم برجل محدودب الظهر:
لا تظنّنّ حدبة الظّهر عيبا ... هي في الحسن من صفات الهلال
وكذاك القسيّ محدودبات ... وهي أنكى من الظّبا والعوالي
كوّن الله حدبة فيك إن شئت ... من الفضل أو من الإفضال
فأتت ربوة على طود حلم ... طال أو موجة ببحر نوال
وإذا لم يكن من الوصل بدّ ... فعسى أن تزورنى في الخيال
فظاهر ما أورده مدح كامل كما ترى لما يظهر من صورته، وإنما أورده على جهة التهكم به والاستهزاء بحاله، وكقول امرئ القيس يصف كلبا:
فأنشب أظفاره في النّسا ... فقلت هبلت ألا تنتصر
فقوله: «هبلت ألا تنتصر» تهكم بحاله في غاية اللطف والرشاقة لأن ما فعله الكلب بالصيد هو غاية الانتصار.
(أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ...(17)