فهرس الكتاب
ومنها: أن يحكم أو يفتي بقول مهجور أو ضعيف أو قوي يعلم أن الناس لا يعلمون به، بل ينكرونه أو يتركون بسببه طاعة أخرى كمن يقول لأهل القرى والبوادي والعجائز والعبيد والإماء: لا تجوز الصلاة بدون التجويد وهم لا يقدرون على التجويد، فيتركون الصلاة رأسًا، وهي جائزة عند البعض، وإن كان ضعيفًا فالعمل به واجب.
وكمن يقول للناس: لا يجوز البيع والشراء والاستقراض بالدراهم والدنانير إلا بالوزن؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نص عليها بالوزن، فهو وزني أبدًا وإن ترك الناس فيه الوزن، فهذا القول قوي في نفسه، وهو قول الإِمام أبي حنيفة ومحمد مطلقًا. وقول أبي يوسف في غير ظاهر الرواية وهي خروجها عن الوزنية بتعامل الناس إلى العددية، فهذه الرواية وإن كانت ضعيفة فالقول بها واجب ولازم فرارًا من الفتنة، فيجب على القضاة والمفتين والوعاظ معرفة أحوال الناس وعاداتهم في القبول والرد والسعي والكسل ونحوها، فيكلمونهم بالأصلح والأوفق لهم حتى لا يكون كلامهم فتنة للناس، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه يجب على الآمر والناهي معرفة أحوال الناس وعاداتهم وطبائعهم ومذاهبهم؛ لئلا يكون فتنة للناس وتهييجًا للشر، وسببًا لزيادة المنكر وإشاعة المكروه.
ثم حكم عليهم بما يستحقون بما دسوا به أنفسهم، فقال: {أُولَئِكَ} الموصوفون بهذه الصفات الذميمة {لَهُمُ} بسبب تلك الصفات المذكورة {اللَّعْنَةُ} في الآخرة؛ أي: الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى ورضوانه {وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} ؛ أي: الدار السيئة القبيحة، وهي جهنم دار البوار جزاء وفاقًا لما اجترحوه من السيئات وأتوا به من الشرور والآثام، فاللعنة وسوء العاقبة لاصقان بهم لا يعدوانهم إلى غيرهم، وفيه تنفير للمسلمين عن هذه الخصال الثلاث، وأن لا ترفع همتهم حول ذلك الحمى.