فهرس الكتاب
وهذا النموذج ليس محلياً ولا وقتياً ، ولا هو وليد بيئة معينة في زمان معين.. إنه نموذج للإنسان حين تفسد فطرته ، وتستغلق بصيرته ، وتتعطل في كيانه أجهزة الاستقبال والتلقي ، وينقطع عن الوجود الحي من حوله ، وعن إيقاعاته وإيحاءاته.
هذا النموذج يتمثل في هذا الزمان في الملحدين وأصحاب المذاهب المادية التي يسمونها"المذاهب العلمية!"وهي أبعد ما تكون عن العلم ؛ بل أبعد ما تكون عن الإلهام والبصيرة..
إن أصحاب المذاهب المادية يلحدون في الله ؛ ويجادلون في وجوده سبحانه وينكرون هذا الوجود.
.ثم يقيمون على أساس إنكار وجود الله ، والزعم بأن هذا الكون موجود هكذا بذاته ، بلا خالق ، وبلا مدبر ، وبلا موجه.. يقيمون على أساس هذا الزعم وذلك الإنكار مذاهب اجتماعية وسياسية واقتصادية و"أخلاقية!"كذلك. ويزعمون أن هذه المذاهب القائمة على ذلك الأساس ، والتي لا تنفصل عنه بحال.."علمية".. هي وحدها"العلمية"!
وعدم الشعور بوجود الله سبحانه ، مع وجود تلك الشواهد والدلائل الكونية ، هو دلالة لا تنكر على تعطل أجهزة الاستقبال والتلقي في تلك الجبلات النّكدة. كما أن اللجاجة في هذا الإنكار لا تقل تبجحاً عن تبجح ذلك النموذج الذي ترسمه النصوص القرآنية السابقة:
{ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا: إنما سكّرت أبصارنا ، بل نحن قوم مسحورون!} ..
فالشواهد الكونية أظهر وأوضح من عروجهم إلى السماء. وهي تخاطب كل فطرة غير معطلة خطاباً هامساً وجاهراً ، باطناً وظاهراً ، بما لا تملك هذه الفطرة معه إلا المعرفة والإقرار.