شَيْءٍ) فهذه أسماء الله - جلَّ جلالُه - تجمل الوعظ، وعنها فصل كل شيء
وجودًا وذكرًا؛ إن كان من الإيجاد فهو الإيجاد المحكم، وإن كان من الذكر والوعظ
والكلام فذلك كله عنها انفصل، ويكون التفاضل في الموجودات على قدر الرضا
[....] بعد فيما قرب، ثم الأقرب، ولما اتخذوا العجل إلهًا من دون الله وكان ما
قد قصه الله جل ذكره من قصصهم إلى قوله: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ
الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) .
فهذا إخبار منه - جلَّ جلالُه - أن التوراة التي كتبها الله جل ذكره بيده انتسخ منها بأمر الله
جل ذكره؛ أي: أثبت لهم في النسخة المنزلة إليهم ما هو هدى ورحمة، واقتصر فيها
على الأمر والنهي والنصيحة والإرشاد لهم إلى ما ينجيهم من عذابه، ومنال ثوابه
(هُدًى) أي: لقوم موسى (وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) قوم عيسى، وبعدهم
تابعوه بإحسان بمشاركة ممن اهتدى فيهم وخشي الرحمن بالغيب.
ثم قال بعد ذلك غير بعيد:(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا
أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ)إلى
قوله: (قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) ورحمة الله
وسعت كل شيء الظاهر لنا سماعًا وقولاً وعبرة في الموجودات هي أسماؤه، ولا
تكون رحمته وسعت كل شيء إلا للمؤمن.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"عَجَبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، إن أعطي شكر"
فأُجِر وإن مُنع - أو قال: ابتُلي - صبر فأُجِر، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن"."
قال الله - عز وجل - (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا
يُؤْمِنُونَ (156) . فهذا يؤيد ما تقدم ذكره من العبرة، والقول بأن القرآن
كله واحد فردًا [... .] لم ينفصل بعد إلى كل شيء بفضل الله، عبر عن ذلك قوله