في مفتتح أم القرآن وأم الكتاب: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) فجاء بالحمد الذي هو جامع للثناء
والمدائح والذكر أجمعه وأضافه إلى اسمه الله جل ذكره، والذي جميع الأسماء له
شارحة، ثم تفصلت عنه الأسماء جميعًا كما تفصلت عن الحمد وهو جامع الأذكار
كلها.
أتبع ذلك (رَبِّ العَالمِينَ) فذكر الوجود كله الواقع عليه اسم
العالمين، وهو كل مخلوق وكل مذكور وموجود سوى الله - جلَّ جلالُه - ، فظهر بذلك ما فصله
إيجادًا، كما أظهر بتغاير الأسماء ما فصله عن اسمه الواحد الأحد من ذكر وإيجاد.
أتبع ذلك قوله: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
(الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) . به ظهر الوصل والاتصال، وبه حيي الوجود كله،
وتراحم وتعاطف بعضه على بعض، الرحيم به، تمت رحمة الله بالإيمان
والإسلام والطاعة، واتصل ذلك بهم إلى رحمة الله في الآخرة (مَالِكِ يَومِ الدِّينِ)
في الدنيا والآخرة عاجلاً وآجلاً من طاعة وجزاء، وكل ما تقع عليه
اسم الدين، وبه ظهر الملك في العالم عيانًا، فلأنه الله الإله الرب الرحمن الرحيم
الملك وجبت له الطاعة والخضوع والخنوع والمحبة والود والرضا بكل ما يقتضيه
الجزاء عليه.
ولوجوب ذلك قال العبد: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5) . وبما تقدم
ذكره من الأسماء والأذكار العلا وما وجب عن ذلك مع قوله: (مَالِكِ يَومِ الدِّينِ)
وطلب العون من مالكها، في كل ذلك ثني الله جل ذكره قوله العظيم على تلاوة
عبده، فهذا كالذي كتبه الله جل ذكره لموسى في التوراة من كل شيء ، أي: من
الأسماء من اللوح المحفوظ موعظة وتفصيلاً لكل شيء ، ومن تدبر هذه الجملة
وأمعن في التذكار، وامتحن نفسه في ذلك إلى ما يأتي من مثله في سائر القرآن من
المعبر عنه بالقرآن العظيم وجده، والذي عبر عنه - جلَّ جلالُه - عن مكتوبه في التوراة سواء.
ثم قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)