وإن تلا آيات الوعيد والمقت للعصاة وذم المقصرين، شهد نفسه هناك، وقدر أنه المخاطب خوفاً وإشفاقاً، وسأل الله أن يرحمه ويعفو عنه، فالناس رجلان: تائب وظالم: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) } [الحجرات: 11] .
وقد وصف الله القرآن الكريم بأربع صفات كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) } [يونس: 57] .
وقد أنزل الله عزَّ وجلَّ القرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم -، فعالج به القلوب المريضة بالشرك والكبر والظلم.
فوحدت ربها .. وآمنت به .. وخضعت له .. واستقامت على دينه.
والطبيب إذا وصل إليه المريض فله معه أربع مراتب:
الأولى: أن ينهاه عن تناول ما يضره، ويأمره بالاحتراز من الأشياء التي بسببها وقع في ذلك المرض، وهذا هو الموعظة.
الثانية: أن يأمره بتناول الأغذية النافعة، بعد أن يسقيه أدوية تزيل عن باطنه تلك الأخلاط الفاسدة، وهكذا الأنبياء يأمرون الناس بالأخلاق الحميدة بعد زوال الأخلاق الذميمة، وهذا هو الشفاء.
الثالثة: حصول الشفاء بعد تناول الغذاء وزوال الأخلاط، وكذا حصول الهدى، لا يمكن إلا بعد حصول النور في القلب، فإذا جاء نور الإيمان، جاء الهدى ونور القرآن، وإذا جاء الهدى ولى الضلال.
الرابعة: الرحمة، وبالرحمة يكون العلاج، ولولا رحمة الله ما قام في الدنيا والآخرة شيء.
فالنفس الزكية البالغة درجات الكمال تفيض أنوارها على أرواح الناقصين، وخص المؤمنين؛ لأن أرواح الكفار والمعاندين لا تستضيء بأنوار أرواح الأنبياء، كما أن الجسم القابل للنور هو الجسم المقابل لقرص الشمس.
وكلام الله عزَّ وجلَّ كله عظيم، وبعضه أفضل من بعض، وذلك أن الكلام له نسبتان:
نسبة إلى المتكلم به وهو الله .. ونسبة إلى المتكلَّم فيه.
فهو يتفاضل باعتبار النسبتين، وباعتبار نفسه أيضاً.
فـ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) } [الإخلاص: 1] .
و: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) } [المسد: 1] .
كلاهما كلام الله، وهما مشتركان في هذه الجهة.