ولو آمنّا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتكلم لعلمنا أن قراءة القرآن تختلف عن أي قراءة أخرى ، فأنت كي تقرأ القرآن تقوم بعمليات متعددة:
أولها: استحضار قداسة المُنْزِل سبحانه الذي آمنتَ به وأقبلتَ على كلامه .
ثانيها: استحضار صدق الرسول في بلاغ القرآن المنزّل عليه .
ثالثها: استحضار عظمة القرآن الكريم ، بما فيه من أوجه الإعجاز ، وما يحويه من الآداب والأحكام .
إذن: لديك ثلاث عمليات تستعد بها لقراءة كلام الله في قرآنه الكريم ، وكل منها عمل صالح لن يدعكَ الشيطانُ تؤديه دون أنْ يتعرَّض لك ، ويُوسوس لك ، ويصرفك عما أنت مُقبِلٌ عليه .
وساعتها لن تستطيع منعه إلا إذا استعنت عليه بالله ، واستعذتَ منه بالله ، وبذلك تكون في معية الله منزل القرآن سبحانه وتعالى ، وفي رحاب عظمة المنزل عليه محمد صدقاً ، ومع استقبال ما في القرآن من إعجاز وآداب وأحكام .
ومن هنا وجب علينا الاستعاذة بالله من الشيطان قبل قراءة القرآن .
ومع ذلك لا مانع من حَمْل المعنى على الاستعاذة أيضاً بعد قراءة القرآن ، فيكون المراد: إذا قرأتَ القرآن فاستعذ بالله . . أي: بعد القراءة ؛ لأنك بعد أن قرأتَ كتاب الله خرجتَ منه بزاد إيماني وتجليّات ربانية ، وتعرَّضْتَ لآداب وأحكام طُلبت منك ، فعليك إذن أن تستعيذ بالله من الشيطان أن يفسِد عليك هذا الزاد وتلك التجليات أو يصرفك عن أداء هذه الآداب والأحكام .
وقوله تعالى:
{مِنَ الشيطان الرجيم} [النحل: 98] .
أي: الملعون المطرود من رحمة الله ؛ لأن الشيطان ليس مخلوقاً جديداً يحتاج أنْ نُجرِّبه لنعرف طبيعته وكيفية التعامل معه ، بل له معنا سوابق عداء منذ أبينا آدم عليه السلام .
وقد حذر الله تعالى آدم منه فقال: {يآءَادَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ . .} [طه: 117] .