وهل يُعقل أن ما في القرآن يمكن أن يطويه صَدْرُ واحدٍ من هؤلاء؟! لو حدث لكان له من المكانة والمنزلة بين قومه ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم من منزلة ، ولأشاروا إليه بالبنان ولذَاع صِيتُه ، واشتُهر أمره ، وشيء من ذلك لم يحدث .
وقوله تعالى:
{وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103] .
أي: لغته صلى الله عليه وسلم ، ولغة القرآن الكريم عربية واضحة مُبِينة ، لا لَبْسَ فيها ولا غموض .
ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ . .} .
الحق تبارك وتعالى في قوله:
{إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله . .} [النحل: 104] .
ينفي عن هؤلاء صفة الإيمان ، فكيف يقول بعدها:
{لاَ يَهْدِيهِمُ الله ...} [النحل: 104] .
أليسوا غير مؤمنين ، وغير مُهْتدين؟
قُلْنا: إن الهداية نوعان:
هداية دلالة وإرشاد ، وهذه يستوي فيها المؤمن والكافر ، فقد دَلَّ الله الجميع ، وأوضح الطريق للجميع ، ومنها قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى ...} [فصلت: 17] أي: أرشدناهم ودَلَلْناهم .
وهداية المعونة والتوفيق ، وهذه لا تكون إلا للمؤمن ، ومنها قوله تعالى: {والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} [محمد: 17] .
إذن: معنى:
{لاَ يَهْدِيهِمُ الله . .} [النحل: 104] .
أي: هداية معونة وتوفيق .
ويصح أن نقول أيضاً: إن الجهة هنا مُنفكّة إلى شيء آخر ، فيكون المعنى: لا يهديهم إلى طريق الجنة ، بل إلى طريق النار ، كما قال تعالى: {إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ . .} [النساء: 168 - 169] .
بدليل قوله تعالى بعدها:
{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 104] .